بقلم : د. شيماء محسن عبدالحي
(خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة)
أرى أن ما تشهده مصر حاليا في ملف تطوير التعليم يمثل واحدا من أهم التحولات الاستراتيجية في تاريخ الدولة الحديثة، لأن بناء الإنسان لم يعد شعارا سياسيا، بل أصبح مشروعا قوميا تتحرك فيه مؤسسات الدولة بإرادة واضحة ورؤية طويلة المدى.
لقد أكد مؤتمر «استشراف مستقبل مصر في التعليم» أن الدولة المصرية تدرك جيدا أن معارك المستقبل لن تُحسم بالسلاح التقليدي فقط، وإنما بالعقل القادر على الابتكار، وبالإنسان المؤهل علميا وتكنولوجيا وفكريا للمنافسة في عالم شديد التعقيد والتغير. ومن هنا، فإن تطوير التعليم لم يعد مجرد إصلاح لقطاع خدمي، بل أصبح استثمارا مباشرا في الأمن القومي المصري وفي قوة الدولة الناعمة وقدرتها الاقتصادية والتنموية.
ومن منظور علمي وتحليلي، فإن أخطر ما كانت تعانيه الأنظمة التعليمية التقليدية هو إنتاج أجيال تحفظ أكثر مما تفكر، وتستهلك المعرفة أكثر مما تصنعها. لكن ما نشهده اليوم يعكس تحولا حقيقيا نحو بناء عقلية جديدة تعتمد على الفهم، والابتكار، والتكنولوجيا، وربط التعليم بسوق العمل ومتطلبات المستقبل، وهي النقطة التي تمثل حجر الأساس في أي نهضة تنموية حقيقية.
ولعل الإشادة الدولية، خاصة من منظمة اليونيسف، بما تحقق في التجربة المصرية، تحمل دلالات شديدة الأهمية؛ لأنها تؤكد أن ما يجري على الأرض لم يعد مجرد خطط نظرية، بل أصبح نموذجا إصلاحيا يحظى بالمتابعة الدولية. فحين تنجح الدولة في تقليل الكثافات، وتحسين نسب الحضور، وتطوير أدوات التعلم الرقمي، وتأهيل المعلم، فهي لا تطور مدرسة فقط، بل تعيد بناء البيئة التي تُصنع فيها شخصية المواطن المصري الجديد.
كما أن كلمات دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، والسيد محمد عبد اللطيف، عكست بوضوح وجود إرادة سياسية صلبة تؤمن بأن التعليم هو المشروع الأهم للجمهورية الجديدة، وأن بناء الإنسان يأتي قبل أي إنجازات مادية أخرى. وهذه الرؤية تُحسب للدولة المصرية، خاصة أنها تواصل تنفيذ هذا المشروع الطموح في ظل ظروف اقتصادية وإقليمية شديدة التعقيد، بينما اختارت دول كثيرة حول العالم تأجيل الاستثمار في الإنسان خلال الأزمات.
ومن واقع خبرتي، أؤكد أن الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على إدارة تلك الموارد وتحويل التحديات إلى فرص. ولذلك فإن ما تفعله مصر اليوم في التعليم هو استثمار طويل الأجل في صناعة أجيال أكثر وعيا وانتماء وقدرة على القيادة والإبداع، وهو ما سيظهر أثره الحقيقي خلال السنوات المقبلة على الاقتصاد وسوق العمل والاستقرار الاجتماعي والتنمية الشاملة.
إن بناء المدارس أمر مهم، لكن بناء العقل المصري الواعي هو الإنجاز الأكبر. فالأمم لا تنهض بالصدفة، وإنما تنهض حين تجعل التعليم قضية وطنية، وحين تؤمن أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه.














