في إضافة جديدة للمكتبة النقدية العربية، صدر مؤخرًا عن دار الجودة للنشر والتوزيع كتاب نقدي بعنوان مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي للباحثة الجزائرية الدكتورة ريمة بن عيسى، وذلك ضمن إصدارات عام 2025، في عمل أكاديمي وفني يضيء تجربة الكاتب المسرحي الكبير السيد حافظ بوصفها واحدة من التجارب العربية التي اشتبكت بعمق مع التراث والهوية والجماليات المسرحية الحديثة.
ويقع الكتاب في نحو 150 صفحة من القطع المتوسط، ويضم مدخلًا نظريًا وثلاثة فصول رئيسية، إضافة إلى خاتمة ومراجع، حيث تسعى المؤلفة إلى تتبع حضور التراث داخل النص المسرحي والعرض الركحي عند السيد حافظ، وتحليل الكيفية التي تحوّل بها التراث من مادة حكائية جامدة إلى عنصر حي داخل البنية الدرامية والسينوغرافية.
وتشير الدكتورة ريمة بن عيسى في مقدمة الكتاب إلى أن تجربة السيد حافظ لا تقوم على استدعاء التراث بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل على إعادة تأويله وتفكيكه بما يخدم قضايا الإنسان العربي المعاصر، مؤكدة أن المسرح لديه يتحول إلى مساحة حوار بين التاريخ والواقع، وبين الأسطورة والأسئلة اليومية.
ويبدأ الكتاب بمدخل نظري يناقش مفهوم “التراث” وإشكالية “المسرحة”، كما يتناول علاقة المسرح العربي بالتراث من خلال قضايا التأصيل والتجريب، مستعرضًا آراء عدد من النقاد والباحثين العرب والغربيين في هذا المجال.
أما الفصل الأول، فجاء بعنوان “دينامية التحول من الخطاب النصي إلى الفعل الركحي”، وفيه تتناول الباحثة بنية النص المسرحي عند السيد حافظ، من حيث الشخصيات والصراع والزمن واللغة، إضافة إلى دراسة العناصر البصرية والسمعية التي تشكل هوية العرض المسرحي.
ويتوقف الفصل الثاني عند “مسرحة التراث وتمثلاته الجمالية”، حيث تحلل الباحثة توظيف التاريخ والسيرة الشعبية والحكاية والأسطورة داخل نصوص السيد حافظ، مع قراءة تطبيقية لعدد من أعماله المسرحية، من بينها “ظهور واختفاء أبو ذر الغفاري”، و”عنترة بن شداد”، و”حرب الملوخية”.
في حين يركز الفصل الثالث على “آليات التجلي الركحي”، عبر دراسة العلاقة بين النص والعرض، ودور الموسيقى والإضاءة والسينوغرافيا والحركة في بناء المشهد المسرحي، مع التوقف أمام أعمال مثل “علي بابا”، و”سندريلا والأمير”، و”سندس”.
ويبرز الكتاب أهمية المسرح بوصفه أداة للحفاظ على الذاكرة الثقافية العربية، مع الانفتاح على الحداثة والتجريب الفني، وهو ما جعل الباحثة ترى في تجربة السيد حافظ مشروعًا مسرحيًا يسعى إلى تأسيس خطاب عربي يمتلك خصوصيته الجمالية والفكرية.
ويُعد هذا الإصدار إضافة نوعية للدراسات المسرحية العربية، خاصة أنه يجمع بين التحليل الأكاديمي والرؤية النقدية، ويقدم قراءة معمقة لعلاقة التراث بالمسرح في تجربة عربية امتدت لسنوات طويلة من الكتابة والإبداع.














