»» كيف يتأثر الأبناء بالأخبار المتداولة؟
بقلم: ياسمين جمال (باحثة دكتوراة في الاعلام التربوي بجامعة عين شمس)
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة المصدر الأسرع لتداول الأخبار والأحداث، حيث تصل المعلومات إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق قليلة، مصحوبة بالصورة والفيديو والتعليق والتحليل.
ورغم ما وفرته هذه المنصات من سرعة في نقل المعلومات وسهولة في التواصل، فإنها في المقابل خلقت حالة من التدفق المستمر للأخبار، بعضها حقيقي وبعضها مضلل أو مبالغ فيه، وهو ما جعل كثيرًا من الأطفال والمراهقين يعيشون تحت تأثير دائم للأحداث المتداولة، حتى وإن لم يكونوا جزءًا مباشرًا منها.
ففي السابق، كان الطفل يتلقى الأخبار بشكل محدود ومنظم نسبيًا، أما اليوم، فقد أصبح الهاتف المحمول نافذته المفتوحة على العالم بكل ما يحمله من أزمات وحوادث ومشاهد صادمة. ومن هنا، لم تعد المشكلة في معرفة الخبر فقط، بل في الكم الهائل من التفاصيل والتعليقات والانفعالات التي تصاحب تداوله، والتي قد تخلق حالة من القلق أو الخوف المستمر لدى الأبناء.
ومن ناحية أخرى، تعتمد طبيعة السوشيال ميديا على السرعة والإثارة، فكلما كان الخبر أكثر صدمة أو غرابة، زادت فرص انتشاره وتداوله. وهنا، قد تتحول بعض القضايا الإنسانية أو الحوادث المؤلمة إلى “ترند”، يتم تناقله بشكل مكثف، أحيانًا دون مراعاة للأثر النفسي على المتلقين، خاصة الأطفال والمراهقين الذين لا يمتلكون بعد القدرة الكاملة على الفصل بين التغطية الواقعية والتهويل الإعلامي.
كما أن التكرار المستمر للأخبار السلبية قد يخلق لدى الأبناء شعورًا بأن العالم مكان غير آمن، وأن الخطر موجود في كل مكان. فالطفل أو المراهق الذي يتعرض يوميًا لمقاطع الحوادث أو الجرائم أو الكوارث، قد يعيش حالة من التوتر الداخلي حتى وإن لم يعبّر عنها بشكل مباشر. وقد يظهر ذلك في صورة قلق زائد، أو خوف من الخروج، أو اضطرابات في النوم، أو حتى عصبية وانفعال غير مبرر.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن المراهقين تحديدًا يتفاعلون مع الأخبار بشكل مختلف، فهم لا يكتفون بالمشاهدة فقط، بل يدخلون في دائرة التعليقات والمناقشات وإعادة النشر، وهو ما يجعلهم أكثر انغماسًا في الحدث. ومع غياب التوجيه أحيانًا، قد يتبنون أفكارًا أو مخاوف مبالغ فيها نتيجة التعرض المستمر للمحتوى المثير أو غير الموثوق.
ايضا ، تلعب الخوارزميات دورًا كبيرًا في تعزيز هذا التأثير، حيث تميل المنصات إلى عرض المحتوى الأكثر تفاعلًا، والذي يكون غالبًا الأكثر إثارة للقلق أو الجدل. وبالتالي، قد يجد الطفل أو المراهق نفسه محاصرًا بنوع واحد من الأخبار والمشاهد، وكأن العالم كله يعيش في حالة خطر دائم.
بالاضافة الي ان سرعة تداول الأخبار على السوشيال ميديا تجعل من الصعب أحيانًا التحقق من صحتها، وهو ما يفتح الباب أمام الشائعات والمعلومات غير الدقيقة. وهنا تظهر خطورة غياب الوعي الإعلامي لدى الأبناء، لأنهم قد يصدقون كل ما يشاهدونه أو يقرؤونه، خاصة إذا تم تقديمه بطريقة مؤثرة أو مصحوبًا بمشاهد قوية.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل مواقع التواصل وحدها المسؤولية، لأن دور الأسرة يظل أساسيًا في توجيه الأبناء ومساعدتهم على التعامل مع هذا العالم المفتوح بوعي أكبر. فالحوار اليومي مع الأبناء حول ما يشاهدونه، وشرح الأحداث بشكل هادئ ومتوازن، يساعد على تقليل حالة الخوف والارتباك، ويمنحهم قدرة أفضل على الفهم بدلًا من التلقي العشوائي.
كذلك، من المهم تعليم الأطفال والمراهقين كيفية التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء كل ما يتم تداوله، مع توعيتهم بأن بعض المحتويات يتم تضخيمها فقط لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار. كما أن تقليل التعرض المستمر للمحتوى الصادم، خاصة قبل النوم، يساعد على حماية توازنهم النفسي.
ومن ناحية أخرى، يتحمل الإعلام والمؤثرون مسؤولية كبيرة في طريقة تناول الأخبار والقضايا الإنسانية، لأن تحويل المآسي إلى مادة للترند أو السخرية أو المبالغة قد يفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاه الألم الحقيقي، ويزيد من حالة القلق الجماعي، خاصة لدى الفئات الأصغر سنًا.
لذا، تبقى السوشيال ميديا أداة يمكن أن تكون مفيدة أو مؤذية وفق طريقة استخدامها والتعامل معها. لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في حماية الأبناء من الأخبار الصادمة، بل في تعليمهم كيف يشاهدون ويفكرون ويفهمون دون خوف أو تهويل.













