بقلم: د.هناء خليفة
( دكتوراه الإعلام الرقمي ـ جامعة عين شمس)
لم يعد “المؤثر” مجرد شخص يشارك يومياته أو يقدم محتوى ترفيهيًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح طرفًا فاعلًا في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الاتجاهات، والتأثير على طريقة تفكير الجمهور ومواقفه تجاه القضايا المختلفة.
ففي عصر السوشيال ميديا، تغيّرت خريطة التأثير.
ولم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها هي التي تملك القدرة على توجيه الرأي العام، بل ظهر جيل جديد من المؤثرين استطاع أن يصل إلى الناس بسرعة أكبر، وبأسلوب أكثر قربًا وتأثيرًا.
*لماذا يثق الجمهور بالمؤثرين أكثر أحيانًا؟*
السبب لا يرتبط فقط بعدد المتابعين، بل بطريقة العلاقة التي يبنيها المؤثر مع جمهوره.
فالمؤثر لا يظهر غالبًا في صورة “الخبير الرسمي”، بل كشخص عادي يتحدث بعفوية، يشارك تفاصيل حياته، يستخدم لغة بسيطة، ويتفاعل مباشرة مع الجمهور.
وهذا القرب النفسي يجعل المتابع يشعر أنه يعرفه شخصيًا، حتى وإن كانت العلاقة في الحقيقة رقمية بالكامل.
ومع الوقت، تتحول هذه المتابعة إلى نوع من الثقة، تجعل آراء المؤثر قادرة على التأثير في القناعات، القرارات، السلوكيات، وحتى المواقف السياسية والاجتماعية أحيانًا.
*كيف يصنع المؤثرون الاتجاهات؟*
المؤثر اليوم لا يكتفي بنقل الفكرة، بل يساهم في تحديد ما الذي يستحق الاهتمام، ما الذي يجب مناقشته، وما الذي يصبح “ترندًا” في الأساس… فعندما يتحدث عدد من المؤثرين عن قضية معينة، تنتقل بسرعة من نطاق محدود إلى مساحة النقاش العام.
وهنا تظهر قوة التأثير الرقمي، فالموضوعات لم تعد تنتشر فقط لأنها مهمة، بل لأنها حظيت بدعم شخصيات تمتلك جمهورًا واسعًا وقدرة على تحريك التفاعل.
*التأثير العاطفي… السلاح الأقوى*
يعتمد كثير من المؤثرين على التأثير العاطفي أكثر من الطرح العقلاني.
فالرسائل التي تحمل قصة شخصية، تجربة مؤثرة، غضبًا أو تعاطفًا، أو حتى صدمة، تكون أكثر قابلية للانتشار والتفاعل.
ولهذا، لا يتأثر الجمهور دائمًا بقوة المعلومات، بل أحيانًا بطريقة تقديمها ومن يقدمها.
فقد ينجح مؤثر في تغيير اتجاهات آلاف الأشخاص تجاه قضية معينة، ليس لأنه الأكثر معرفة، بل لأنه الأكثر قدرة على خلق ارتباط عاطفي مع جمهوره.
*عندما يتحول التأثير إلى سلطة*
المشكلة لا تكمن في وجود التأثير، بل في غياب الحدود أحيانًا بين الرأي والمعلومة، الخبرة والانطباع الشخصي، التوعية والتوجيه… فبعض المؤثرين يمتلكون قدرة هائلة على تشكيل المواقف العامة، رغم أنهم قد لا يملكون معرفة حقيقية بالقضايا التي يناقشونها.
ومع سرعة انتشار المحتوى، قد تتحول الآراء الفردية إلى “حقائق متداولة”، فقط لأنها قيلت عبر حساب يمتلك ملايين المتابعين.
*الوجه الإيجابي للمؤثرين*
ورغم كل المخاوف، لا يمكن إنكار أن كثيرًا من المؤثرين لعبوا أدوارًا إيجابية في نشر الوعي بقضايا اجتماعية، دعم المبادرات الإنسانية، تسليط الضوء على مشكلات حقيقية، وتحفيز الناس على التعلم أو التطور… لكن التأثير، مثل أي قوة، يعتمد على كيفية استخدامه.
وختاماً…. لم يعد المؤثر مجرد صانع محتوى، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الإدراك العام وتوجيه النقاشات اليومية.
وفي عالم أصبحت فيه الشاشة أقرب إلى الناس من أي مؤسسة أخرى، ربما لم يعد السؤال: “من الأكثر شهرة؟” بل: “من يملك القدرة الحقيقية على تشكيل ما نفكر فيه ونشعر به؟”.














