بقلم: شحاتة زكريا
(باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية)
في حياة الأمم كما في حياة الأفراد توجد دائما مسافة بين ما نحلم به وما ننجزه بين الصورة التي نرسمها في الخيال والواقع الذي نصنعه على الأرض.
هذه المسافة ليست مجرد أرقام أو سنوات بل هي مساحة تمتلئ بالعمل والصبر والتخطيط والوعي والإرادة.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للدول.. فالحلم سهل وربما يكون أجمل ما يملكه الإنسان. يستطيع أي شعب أن يحلم بالرخاء والتقدم والعدالة والقوة والمكانة الدولية.
لكن الفارق بين الأمم لا يقاس بحجم أحلامها وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأحلام إلى سياسات والسياسات إلى مشروعات والمشروعات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية..
لقد اعتادت الشعوب عبر التاريخ أن ترفع شعارات كبيرة عن المستقبل لكن التاريخ نفسه لا يتذكر الشعارات بقدر ما يتذكر الإنجازات.
فلا أحد يتحدث اليوم عن الأحلام التي رفعتها الدول الكبرى في مراحل نهضتها بقدر ما يتحدث عن الطرق التي سلكتها لتحقيق تلك الأحلام. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: ما الدولة التي نريدها؟ بل: كيف نصل إليها؟ إن بناء الدولة الحديثة لم يعد مهمة سهلة في عالم يموج بالمتغيرات. فالتحديات الاقتصادية تتعاظم والتكنولوجيا تعيد تشكيل أسواق العمل والصراعات الدولية تعيد رسم خرائط النفوذ والمنافسة بين الدول أصبحت أكثر شراسة من أي وقت مضى. وفي ظل هذه المعطيات لم يعد هناك مكان للأمم التي تكتفي بالحلم دون أن تمتلك أدوات التنفيذ.. ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو اتساع الفجوة بين الطموح والقدرة بين ما يريده الناس وما يستطيع الواقع تحقيقه. فحين تكبر الأحلام دون أن يصاحبها عمل حقيقي تتسلل خيبة الأمل إلى النفوس. أما حين يصبح الإنجاز جزءا من الثقافة العامة فإن الثقة بالمستقبل تتحول إلى طاقة تدفع المجتمع كله إلى الأمام…ومن هنا تبرز أهمية الوعي الوطني باعتباره الجسر الحقيقي بين الحلم والدولة. فالوعي ليس مجرد معرفة بالمشكلات بل فهم لطبيعة المرحلة وإدراك لحجم التحديات وقدرة على التمييز بين النقد الذي يبني والنقد الذي يهدم. فالأمم لا تتقدم بالتصفيق لكل شيء ولا بالتشكيك في كل شيء وإنما تتقدم حين تمتلك عقلا جمعيا قادرا على رؤية الصورة كاملة.. إن الدول العظيمة لم تبني في يوم واحد ولم تنطلق من ظروف مثالية. فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة وألمانيا واجهت واحدة من أعقد مراحل تاريخها وكوريا الجنوبية كانت دولة فقيرة محدودة الموارد. لكن تلك الشعوب امتلكت شيئا بالغ الأهمية: الإيمان بأن المستقبل لا ينتظر.بل يصنع.. وهنا تكمن إحدى الحقائق التي كثيرا ما نغفلها فالدولة ليست الحكومة وحدها وليست المؤسسات وحدها وليست المشروعات وحدها. الدولة هي مجموع الإرادات التي تتحرك في اتجاه واحد. هي العامل الذي يتقن عمله والمعلم الذي يؤدي رسالته والطالب الذي يجتهد في دراسته والطبيب الذي يحترم مهنته والمواطن الذي يدرك أن احترام القانون جزء من بناء الوطن..وفي مصر تبدو هذه المعادلة أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فالدولة المصرية تخوض معركة تنمية في عالم مضطرب اقتصاديا وسياسيا. وهناك تحديات حقيقية لا يمكن إنكارها من ضغوط اقتصادية عالمية إلى أزمات إقليمية متلاحقة. لكن وسط هذه التحديات يبقى الرهان الأكبر على الإنسان المصري نفسه على وعيه وقدرته على التكيف والعمل والإبداع…فالمسافة بين الحلم والدولة لا تُختصر بالقرارات فقط وإنما تختصرها العقول التي تؤمن بقيمة العمل. فكل مشروع يبدأ بفكرة وكل فكرة تحتاج إلى من يؤمن بها وكل نجاح كبير كان في بدايته مجرد حلم صغير رفض أصحابه الاستسلام للصعوبات.. ومن المؤسف أن بعض المجتمعات تقع أحيانا في فخ انتظار الحلول السحرية. تبحث عن معجزة تغير الواقع بين ليلة وضحاها بينما تخبرنا تجارب الأمم أن التقدم الحقيقي عملية تراكمية طويلة تقوم على البناء خطوة بعد خطوة وعلى الإنجاز الذي قد يبدو بسيطا في بدايته لكنه يصنع فارقا هائلا مع مرور الوقت.. كما أن بناء الدولة لا يرتبط فقط بالاقتصاد أو البنية التحتية بل يرتبط أيضا ببناء الإنسان. فالأوطان القوية لا تقوم على الأسمنت والحديد وحدهما وإنما تقوم على التعليم الجيد والثقافة الواعية والقيم الأخلاقية والإحساس بالمسؤولية المشتركة. فكل استثمار في الإنسان هو استثمار في مستقبل الدولة نفسها.. وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة أصبحت معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الاقتصاد. فالدول التي تمتلك المعرفة تمتلك المستقبل والدول التي تستثمر في عقول أبنائها تضمن مكانها في عالم لا يعترف إلا بالكفاءة والإبداع.. وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن المسافة بين الحلم والدولة ليست طريقا مفروشا بالورود.بل رحلة مليئة بالتحديات والاختبارات. لكنها أيضا رحلة تستحق أن تخاض لأن الأمم التي تملك الشجاعة لتجاوز الصعاب هي وحدها التي تكتب فصول المستقبل.. فالحلم هو البداية… أما الدولة فهي الحلم حين يتحول إلى عمل والرؤية حين تصبح واقعا والأمل حين يترجم إلى إنجاز.
وهناك فقط تتوقف الأحلام عن أن تكون أمنيات وتبدأ في أن تصبح وطنا.














