»» مقاربة نحو إيجاد البديل الإيجابي ..وترسيخ فنون الحوار الزوجي
بقلم: د.خلود محمود (مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)
لم تكن “السوشيال ميديا” مجرد ثورة تواصلية، بل فتحت أبواباً كان المجتمع يصر عليها مغلقة بإحكام، باب الخلافات الزوجية الخاصة، باب عورات البيوت، باب الأحكام المطلقة على جنس بأكمله، اليوم وبكل أسف تحولت منصات التواصل وجروبات ‘المشاكل الزوجية’ و’فضفضة السيدات’ و’الرجالة’ إلى ساحات حرب مكشوفة!.
الحرب ليست بالسلاح لكن بالكلمات النارية والاتهامات المسمومة والأحكام الجاهزة، كل طرف ينعت الآخر، الرجال يرون النساء “ناشزات” وعاصيات لأوامر الأزواج، والنساء يرين الرجال “ذكوراً بلا رجولة” عاجزين عن تحمل المسؤولية، وفي المنتصف فضائح منزلية تنشر بكل تفاصيلها، وأطفال وجيل كامل يتربى على مشاهد غير سوية تحطم في قلبه معنى الأسرة قبل أن يكبر.
إن أخطر ما تنتجه هذه الحرب الرقمية بين الرجال والنساء هو تفكك الأسرة من الداخل، فحين تعرض إحدى السيدات تفاصيل خيانة زوجها أو عنفه أو تقصيره على “جروب عام”، فإنها وإن وجدت تعاطفاً لحظياً فإنها في الحقيقة تفتح باباً لا يُغلق، زوجها يصبح هدفاً للسب والقذف من غرباء لا يعرفون إلا روايتها وحدها، الثقة بينهما تتدمر للأبد، وحتى لو تصالحا ظاهرياً تبقى الكرامة المكشوفة جرحاً لا يندمل، والأسوأ أن بعض الجروبات تشجع على الطلاق دون محاولات حقيقية للإصلاح، وتوهم السيدات أن “الحرية” تكمن في الانفصال لا في بناء حياة مستقرة، وهكذا تتحول مشكلة قابلة للحل إلى كارثة أسرية حقيقية ، أما التبعية الثانية والأكثر إيلاماً فتتعلق بالأطفال، هؤلاء الصغار الذين يشربون الكراهية مع الحليب، أطفال يرون أمهاتهم تبكي أمام الشاشات ويكتبن قصصاً عن آبائهم، وأطفالاً آخرين يرون آباءهم يشتمون النساء كلهن على جروبات “الرجالة”، هؤلاء الصغار يكبرون وهم لا يعرفون معنى الحب والتفاهم بين الزوجين، الفتاة الصغيرة قد تكبر خائفة من الرجال والفتى الصغير قد يكبر كارهًا للنساء، وجيل بأكمله يتربى على أن الزواج ليس رحمة ومودة بل ساحة حرب ونزاع.
وهنا تكمن الكارثة الكبرى: نحن لا ندمر بيوت اليوم فقط، بل نزرع بذور بيوت الغد في تربة فاسدة ، والتبعية الثالثة تمتد إلى قضايا الأسرة والمجتمع الكبرى، فالقضايا الجوهرية مثل تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وحماية الأطفال في الطلاق، والرعاية النفسية للأسر المتفككة، كلها تغيب تماماً تحت وابل من الاتهامات المتبادلة والشتائم العامة، بدلاً من أن نناقش مشاكلنا بموضوعية وحكمة، نجد أنفسنا غارقين في سباق تافه: من أكثر ظلماً؟ من أكثر ضعفاً؟ من يستحق اللعنة؟. وفي خضم هذا الصراع العقيم تضيع القضايا الحقيقية، ويخسر المجتمع كله، وتتدمر أسر لا حصر لها، ونحن ننظر ولا نفعل شيئاً” ،ولكن قبل أن نُحمِّل الأفراد وحدهم المسؤولية، علينا أن نفهم كيف تعمل هذه الجروبات كـآلات لتأجيج الصراع لا كمساحات للحل، السبب الأول هو الوهم بالخصوصية، فالعضو حين ينضم إلى “جروب” اسمه “فضفضة زوجات” أو ‘مشاكل الرجالة’ يظن أنه بين أهله وناس فاهمين، فيتجرأ على كشف أسرار لو عرضها على معالج نفسي لكانت محمية بقوانين السرية المهنية، لكن الغريب أن بعض هذه الجروبات تشترط “النشر باسم حقيقي” أو “تأكيد الجنس” لتعمق هذا الوهم، والنتيجة أن الناس تفضح نفسها طواعية دون أن تشعر.
السبب الثاني هو آلية التعليق والمشاركة، حين تنشر سيدة قصتها المأساوية مع زوجها، أول تعليق سيقرأها سيكون غالباً من سيدة أخرى عانت تجربة مشابهة، وستكتب لها “أنتي مثلي طلقي ولا ترحمي”.
وهنا تبدأ ردود الفعل المتسلسلة، كل تعليق أكثر تطرفاً من الذي قبله، فالاعتدال والتروي لا يجلبان إعجابات، بينما التصعيد والتحريض يثيران التفاعل، وهكذا تصبح الجروبات مصانع لتطبيع الكراهية، حيث يتحول الشخص العادي الذي يعاني مشكلة مؤقتة إلى مقاتل شرس ضد جنس بأكمله.
السبب الثالث هو غياب البديل الإيجابي الجذاب، لو سألت أي من هؤلاء: لماذا لا تذهبون إلى مختص نفسي أو مستشار أسري؟ سيجيبك كثيرون: غالي، متعب، لا أثق به، أو ببساطة لا أعرف أين أجده، هذا الفراغ الهائل في الخدمات النفسية والأسرية الرخيصة والمتاحة هو الذي تملأه الجروبات المجانية، لكن الثمن الذي ندفعه كمجتمع هو تضخيم المشاكل بدلاً من حلها، وتحويل البشر إلى خصوم بدلاً من شركاء.
السبب الرابع والأخطر هو إدمان الدراما، كثير من الناس يتابعون هذه الجروبات ليس لأنهم يبحثون عن حل لمشكلتهم بل لأنهم أصبحوا مدمنين على مشاعر الغضب والتألم والتعاطف، كل قصة جديدة تمنحهم جرعة من الأدرينالين العاطفي، وكل تعليق يحصل على إعجابات يمنحهم شعوراً بالأهمية، وهم في غفلة عن أنهم يحرقون أعصابهم ويضيعون وقتهم ويدمرون علاقاتهم الحقيقية مقابل هذا الإدمان الرقمي الرخيص
، بعد أن تبين لنا أن هذه الجروبات والمنصات تحولت إلى ساحات حرب مدمرة للأسرة والمجتمع، لم يعد مقبولاً أن نقف متفرجين ونحن ننظر فقط، فلا بد من وقفة جادة على مستويات متعددة اولها على المستوى الفردي، يجب على كل زوجين أن يعيدا النظر في علاقتهما، وأول خطوة هي اتفاق صريح وحازم: لا تنشر أسرار بيتك لأي كان، لا لصديقة ولا لجروب سري ولا لمجموعة واتساب، فما يحدث بين الزوجين يجب أن يظل بينهما أو بينهما وبين مختص ثقة كمعالج أسري أو مستشار ديني أو نفسي، أما الغرباء على الإنترنت فلن يصلحوا شيئاً بل سيزيدون الطين بلة، فبعضهم يهون الشر، وبعضهم يشجع على الانتقام، وبعضهم يفرح بمشاكلك لأنه يعيش على دراما الآخرين.
على المستوى الأسري، لا بد من العودة إلى ثقافة الحوار الداخلي المغلق، العائلة الممتدة من آباء وأمهات وإخوة يمكنها أن تلعب دور الحكم النزيه والمستشار الأمين، ولتكن قاعدة بسيطة: من يعاني مشكلة زوجية فليذهب إلى من يحبه حباً حقيقياً لا إلى من يبحث عن فضائح للتعليق عليها، الجد والجدة، الأب والأم، الأخ والأخت الكبار، كلهم أولى بالف مرة من متصفح مجهول لا يعرف عنك حتى اسمك الحقيقي.
على المستوى المجتمعي، هناك مسؤولية على صناع المحتوى والمؤثرين، بدلاً من تأجيج الخلافات بعبارات مسيئة..
لماذا لا نقدم محتوى يعلم فنون الحوار الزوجي وحل الخلافات بالتي هي أحسن؟ لماذا لا تخصص برامج تلفزيونية وجروبات مفيدة للتوعية الأسرية بدلاً من استغلال الألم لجذب المشاهدات؟ المجتمع الذي يريد أسراً قوية عليه أن يدعم ثقافة الخصوصية ويحارب ثقافة الفضائح بكل قوة.
على المستوى التشريعي والقانوني، لابد من محاسبة واضحة لمن يهتك أعراض الناس وينشر أسرار البيوت عبر السوشيال ميديا، فالكلمات التي تُكتب ليست مجرد حروف، بل هي جرائم يعاقب عليها القانون في كثير من الدول، وما زلنا نغفل عنها بتساهل خطير، فلنحمِ خصوصية الناس كما نحمي ممتلكاتهم، بل هي أثمن.
وأخيراً وليس آخراً، على كل أب وأم أن يعيدا النظر في تربية الأبناء، فالطفل الذي يرى أمه تشتم الرجال أو أباه يشتم النساء سيكبر وهو يحمل هذه السموم داخله، علموا أبناءكم احترام الجنس الآخر منذ الصغر، علموهم أن الخلاف لا يعني الكراهية، وأن الزواج ليس حلبة صراع بل رسالة حب وتعاون وتفاهم، فقط عندما نصلح الأسرة على المستوى العميق نضمن ألا يبحث أحد عن منصف وهمي على جروبات السوشيال ميديا ، نحن كنا ننظر ولا نفعل شيئاً، أما اليوم فلا عذر، الفعل يبدأ بقرار شخصي: لن أفضح بيتي، لن أعمم كراهيتي على جنس بأكمله، لن أشارك في حرب لا نهاية لها، ولن أترك أولادي يكبرون في بيئة إلكترونية سامة، هذا هو الطريق الوحيد لكي ننتصر على فوضى الجروبات ونعيد للأسرة دفئها وكرامتها”
أن الحرب بين الرجال والنساء على السوشيال ميديا ليست لعبة تنتهي عند إغلاق التطبيق، هي نار تأكل البيوت من الداخل وتحرق أحلام الأطفال وتقتل في قلوبهم معنى الأسرة، لا يمكننا إغلاق كل الجروبات ولا منع الناس من البوح، لكن يمكننا أن نبدأ بأنفسنا قرار صامت بعدم نشر أسرار بيتي، وتربية أبنائي على أن الخلاف لا يبرر الكراهية، ووعي بأن من يبحث عن حل حقيقي لن يجده في جروبات الفضفضة، فإما أن ننهض بأسرنا قبل فوات الأوان أو نستمر في النظر والمشاهدة حتى يحترق الجميع”!.














