بقلم : د.محمد أبوالفتوح غنيم (كاتب، وباحث أثري)
ويتجدد اللقاء مع مبدعي ومواهب أبناء أرض الكنانة ..وضيفنا في هذه الحلقة الدكتور محمد أبوالفتوح غنيم والذي يقدم لنا عرضا ورؤية نقدية لكتاب : «يوميات المصري القديم» للباحثة نيرفانا حسن، معرض لها في هذه السطور.

🍂
ستظل مصر القديمة مصدر إلهام الكتاب وساحة ثرية للبحث والدراسة، وكل يوم يظهر الجديد من الدراسات والأبحاث والكتب، وجديد هذا الإنتاج المميز المتعلق بهذا المجال كان للكاتبة وصانعة المحتوى نيرفانا حسن، المتخصصة في الآثار المصرية، كتاب بعنوان: «يوميات المصري القديم» عن دار فاصلة للنشر والتوزيع.
يتناول الكتاب مجموعة من الشواهد الأثرية المصرية القديمة تربط الكاتبة بينها وبين الحياة والثقافة اليومية للمصري المعاصر، من خلال تأصيل للعديد من العادات، والأمثلة، والأقوال والتعبيرات الشعبية، والمعتقدات، والسلوكيات، والألعاب والاحتفالات المصرية المعاصرة، أو ما يسميه المعنيون بالتراث والمتخصصون بالتراث الشفهي أو التراث اللامادي.
وهذا المنهج في التناول يُعرف في الدراسات الثقافية بمنهج الاستمرارية الحضارية أو الاستمرارية الثقافية (Cultural Continuity)، وهو منهج مشروع علميًا من حيث المبدأ، وقد انتهج البعض هذا المنهج اعتمادًا على الرواية الشفاهية والأدلة النظرية، والتناول التاريخي والنظري، من قبل سواء في ربط اللغة المصرية المعاصرة وبعض المصطلحات والكلمات منها، وكذلك العادات المصرية المعاصرة باللغة والمصطلحات والعادات المصرية القديمة، إلا أن الجديد في هذا الكتاب أن المؤلفة لا تبني أفكارها على الخيال أو الروايات الشعبية وحدها بل على أدلة أثرية موثقة موجودة في المتاحف، أو منقوشة ومرسومة على جدران المعابد والمقابر، وهو ما يعطي الموضوع والفكرة مزيدًا من التوثيق والثقة، حيث تتحول القطعة الأثرية من جسم جامد إلى وثيقة اجتماعية من خلال استقراء الأثر واستنطاقه، واستنباط ما يمكن أن يفصح به أو يبوح يكون هذا هو الاختلاف في التناول بين غيره من الكتب التي تجدف في ذات المضمار وتسير فيه، فإن اهم ما يميز الكتاب على تحويل والمؤلفة لا تكتب كتابًا أكاديميًا متخصصًا في علم المصريات، وإنما تقدم كتابًا ثقافيًا تبسيطيًا موجهًا للقارئ العام. يعتمد كما قلنا على فكرة مركزية مفادها أن كثيرًا من العادات والأمثال والألعاب والسلوكيات المصرية المعاصرة تمتد جذورها إلى مصر القديمة.
الكتاب ببساطته وتناوله السهل ينجح في جذب القارئ غير المتخصص إلى عالم الآثار المصرية. ولعل هذا أيضًا ما يحسب للكتاب وللكاتبة لأن كثير من المؤلفات الأثرية تظل حبيسة الدوائر الأكاديمية وتتصف بلغتها الجامدة الجافة وتناولها العلمي العميق أو غير المبسط وغير السهل.
الكتاب ينجح في تقديم رؤية جذابة لفكرة استمرارية الثقافة المصرية عبر العصور، ويتميز بثراء مادته البصرية واعتماده على قطع أثرية حقيقية. غير أن منهجه يقوم غالبًا على الاستدلال بالتشابه بين الماضي والحاضر، وهو استدلال يحتاج في كثير من المواضع إلى أدلة تاريخية ولغوية وأنثروبولوجية أكثر صرامة. كما يحتاج إلى تتبع المراحل والتطورات التاريخية، لإثبات تلك الصلة المباشرة والممتدة بين الماضي والحاضر. لكنه يحتاج إلى الرجوع لدراسات علمية، ومراجع متخصصة، ليكون مرجعًا موثقًا ومتخصصًا يساعد في تأصيل العديد من العادات والممارسات المصرية المعاصرة. وبالرغم من ذلك قد يكون هذا مقبول نسبيًا في كتاب ثقافي موجه للجمهور. ولذلك يمكن اعتبار الكتاب عملًا ثقافيًا وتوعويًا ناجحًا.














