بقلم: بنت سيناء م. رضوى سامي شاهين
(مدير فرع جهاز شئون البيئة بشمال سيناء)
»» حين يصبح الهاتف سلاحًا.. يصبح الوعي واجبًا وطنيًا
إلى كل مصري ومصرية يؤمنان بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان، وأن الوعي هو الحصن الأول في مواجهة كل التحديات.
إلى كل من يؤمن أن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بما يملكه أبناؤها من وعي..
من قلب سيناء.. أرض البطولة والصمود، أبدأ اليوم أولى مقالات سلسلة «حماية الوعي… حماية للوطن»، إيمانًا مني بأن معارك هذا العصر لم تعد تقتصر على الحدود، بل امتدت إلى العقول، وأن بناء الإنسان الواعي هو أعظم استثمار في مستقبل الوطن.
وستتناول هذه السلسلة أبرز القضايا المجتمعية والوطنية التي تمس حياتنا اليومية، في محاولة لنشر الوعي، وترسيخ قيم المسؤولية، واحترام القانون، والحفاظ على الهوية المصرية الأصيلة، لأن حماية الوعي أصبحت اليوم أحد أهم واجباتنا الوطنية.
….
في زمنٍ أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على صناعة حقيقةٍ مزيفة، ونشر شائعة، وتشويه سمعة، وابتزاز إنسان، لم يعد امتلاك الهاتف الذكي دليلًا على التقدم، بل أصبح الوعي هو المعيار الحقيقي للتحضر.
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالسلاح، ولم يعد استهداف الأوطان يبدأ من حدودها، ففي عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي قد يبدأ الخطر من شاشة هاتف، أو من حساب مجهول الهوية، أو من صورة مزيفة، أو مقطع فيديو مفبرك، أو شائعة تنتشر في دقائق، فتزرع الفتنة والشك، وتستهدف وعي المجتمع قبل أن تستهدف أرضه.
لقد منحنا التطور التكنولوجي فرصًا غير مسبوقة للتعلم والعمل والتواصل، لكنه في المقابل منح ضعاف النفوس أدوات أكثر خطورة لممارسة الابتزاز الإلكتروني، والنصب المالي، وانتحال الشخصيات، وفبركة الصور والفيديوهات، ونشر الأكاذيب، والتحريض، والإساءة للآخرين من خلف حسابات وهمية لا يعرف أصحابها معنى المسؤولية ولا شرف الكلمة.
ومن الظواهر الدخيلة التي بدأت تتسلل إلى مجتمعنا أيضًا قيام قلة من الشباب بتصوير الأسر والعائلات والفتيات في الأماكن العامة دون علمهم أو موافقتهم، بحجة صناعة المحتوى أو تحقيق المشاهدات على تطبيقات التواصل الاجتماعي. وهذه الممارسات ليست حريةً شخصية، بل اعتداءً على الخصوصية، وإخلالًا بالقيم والأعراف، وقد يترتب عليها مساءلة قانونية، فضلًا عن أنها تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الضحايا.
إن احترام خصوصية الآخرين ليس خيارًا، بل خُلُق أصيل وواجب يفرضه الدين والقانون والأخلاق.
والأخطر من ذلك أن هذه الجرائم لا تستهدف أفرادًا فقط، بل قد تستهدف مؤسسات الدولة، وتشوه الرموز الوطنية، وتبث الشائعات، وتعمل من خلال لجان إلكترونية منظمة هدفها ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه، وإحداث البلبلة وإضعاف الروح الوطنية، بما يمثل خطرًا حقيقيًا على الأمن القومي المصري.
وفي سيناء يختلف الأمر كثيرًا ،فسيناء ليست مجرد بقعة على الخريطة، وإنما مجتمع قبلي أصيل، يقوم على الكرامة والشرف والأصول والترابط الاجتماعي.
ولذلك فإن إساءة يكتبها شخص مجهول الهوية، أو منشور كاذب، أو صورة مفبركة، قد لا تسيء إلى فرد واحد فقط، بل قد تحاول تشويه سمعة عائلة، أو قبيلة، أو مجتمع بأكمله، وهو أمر لا يقبله عقل ولا دين ولا قانون.
ولهذا فإن مسؤولية الكلمة أصبحت اليوم مسؤولية وطنية، والضغط على زر «نشر» قد يكون أخطر من إطلاق رصاصة، لأن أثره قد يمتد إلى آلاف الأشخاص في لحظات.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى تفعيل أكثر حزمًا للقانون تجاه كل من يستخدم الفضاء الإلكتروني للإساءة أو الابتزاز، أو نشر الشائعات، أو بث الكراهية، أو انتهاك خصوصية الآخرين، أو الإضرار بالمجتمع.
لقد أرست الدولة المصرية منظومة تشريعية متكاملة لمواجهة هذه الجرائم، وفي مقدمتها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وغيره من التشريعات ذات الصلة، إلا أن التطبيق الحاسم للقانون يظل الضمان الحقيقي لردع المخالفين، لأن من أمن العقاب أساء الأدب،
بينما احترام القانون هو ما يحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين.
وهنا أود أن أتوقف عند قضية يكثر حولها الجدل، فليس كل تستر على الخطأ يُعد رحمة بالمجتمع، بل قد يكون أحيانًا تشجيعًا غير مباشر على تكراره. فإذا ثبتت المخالفة بقرار من الجهات الرقابية المختصة، سواء كانت منشأة غذائية قدمت طعامًا غير صالح للاستهلاك، أو مارست الغش، أو أضرت بصحة المواطنين، فإن إعلان المخالفة وفقًا للقانون ليس تشهيرًا، وإنما حماية للمواطن،
ورسالة واضحة بأن صحة الإنسان ليست محل مجاملة، وأن كل من يخطئ يتحمل مسؤولية خطئه حتى يُصحح مساره.
وكذلك الحال مع الظواهر التي تمس حياة المواطنين اليومية، مثل استخدام مكبرات الصوت بصورة مخالفة للقانون بما يسبب الإزعاج. فاحترام حق الناس في الهدوء لا يتعارض مع احترام حق أصحاب الأعمال في الرزق، بل إن القانون وُجد لتحقيق التوازن بين الحقوق، فلا يجوز أن يتحول الدفاع عن مصدر رزق إلى مبرر للإضرار بحقوق المجتمع.
إن بناء الأوطان لا يكون بالمجاملات، وإنما بسيادة القانون، ولا يتحقق الإصلاح بإخفاء الأخطاء، وإنما بمواجهتها بشجاعة وعدالة، دون ظلم أو انتقام، ودون تشهير، ولكن أيضًا دون تهاون.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بكل التقدير والاعتزاز إلى أبطال وزارة الداخلية المصرية، الذين يبذلون جهودًا كبيرة ومتواصلة في حفظ الأمن والاستقرار، والتصدي لمختلف صور الجريمة، وعلى رأسها الجرائم الإلكترونية التي أصبحت من أخطر تحديات العصر. فما نشهده من نجاحات متتالية في ضبط العديد من جرائم الابتزاز الإلكتروني، والنصب عبر الإنترنت، وانتحال الشخصيات، وملاحقة مرتكبي الجرائم الإلكترونية المختلفة، يعكس يقظة الأجهزة الأمنية وكفاءتها في حماية المواطنين، وإنفاذ القانون، وصون أمن المجتمع.
فتحية تقدير وإجلال لكل عينٍ ساهرة، ولكل رجل شرطة يواصل الليل بالنهار، إيمانًا بأن أمن الوطن والمواطن أمانة ومسؤولية.
ولأنني ابنةٌ لهذه الأرض الطيبة… أرض الفداء والبطولات، فإنني أؤمن بأن الحفاظ على أمن مصر لا يكون فقط بحماية حدودها، وإنما أيضًا بحماية عقول أبنائها، ووحدة صفهم، ووعيهم في مواجهة كل ما يستهدف استقرار وطنهم.
ورغم أهمية الدور الوطني الذي تقوم به مؤسسات الدولة، فإن نجاحها يظل مرتبطًا بوجود مواطن واعٍ، يُدرك أن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن الوقاية تبدأ من الوعي، والالتزام بالقانون، وعدم الانسياق وراء الشائعات، أو الوقوع فريسةً لجرائم الفضاء الإلكتروني.
# رسالتي إلى شباب مصر.. وإلى كل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي:
= اجعلوا من التكنولوجيا وسيلةً للعلم والبناء، لا أداةً للإساءة أو التشهير، أو انتهاك الخصوصية، أو نشر الفتن.
= تحققوا قبل أن تنشروا، وفكروا قبل أن تصدقوا، واحترموا خصوصية الآخرين، واعلموا أن الكلمة مسؤولية، وأن الصورة أمانة، وأن الشائعة قد تهدم ما تعجز عنه الجيوش، وأن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين؛
إما أن نبني به مستقبلًا أفضل، أو نتركه في أيدي من يريدون هدم الأوطان.
فلنتذكر دائمًا أن حماية المجتمع تبدأ من حماية الوعي، وأن احترام القانون هو الطريق إلى مجتمع آمن ومستقر، يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
حماية الوعي ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية كل مواطن يؤمن بأن قوة الأوطان تبدأ من قوة وعي شعوبها.














