بقلم : اللواء د.رضا فرحات (أستاذ العلوم السياسية)
لا يمكن النظر إلى التحولات الكبرى التي تشهدها الدولة المصرية بمعزل عن تطور الحياة السياسية، لأن نجاح أي مشروع وطني لا يكتمل بالمؤسسات القوية أو الإنجازات التنموية وحدها، وإنما يحتاج أيضا إلى حياة حزبية فاعلة، ومشاركة سياسية تعكس تنوع المجتمع وتطلعاته، فالدول الحديثة تبنى بتوازن بين قوة الدولة وحيوية السياسة، وبين كفاءة المؤسسات وفاعلية الأحزاب، لأن السياسة في جوهرها هي الجسر الذي يربط بين الدولة والمواطن، ويحول الرؤى إلى برامج، والطموحات إلى واقع.
من بين الرسائل الكثيرة التي حملها خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، استوقفتني الرسالة المتعلقة بالحياة الحزبية ليس لأنها جاءت لأول مرة، ولكن لأنها جاءت في توقيت يبدو فيه المشهد السياسي بحاجة إلى دفعة جديدة، تنقله من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة الفعل.
إن قوة الحياة السياسية لا تقاس بعدد الأحزاب القائمة، بل بمدى فاعليتها وتأثيرها في المجتمع، والحزب الحقيقي هو الذي يعيش بين الناس، يلامس همومهم، ويستمع إلى مشكلاتهم، ويترجمها إلى رؤى وبرامج واقعية، ويعد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية والمشاركة في إدارة الشأن العام ومن هذا المنطلق، فإن حديث الرئيس عن تنشيط الحياة الحزبية لم يكن مجرد توجيه عابر، بل دعوة واضحة لإعادة الاعتبار لدور الأحزاب كشريك أساسي في بناء الجمهورية الجديدة وتعزيز المشاركة السياسية.
خلال السنوات الماضية قطعت الدولة خطوات مهمة على طريق الإصلاح السياسي، شهدنا الحوار الوطني، وتحديثًا في عدد من التشريعات، وتوسعت مساحة مشاركة الشباب، وأصبحت هناك إرادة واضحة لإثراء الحياة العامة، لكن يبقى السؤال الأهم: هل استطاعت الأحزاب أن تستثمر هذه المساحة بالقدر الكافي؟
الكثير من الأحزاب لم تنجح حتى الآن في بناء وجود حقيقي داخل الشارع، وبعضها ما زال يتحرك مع كل استحقاق انتخابي ثم يعود إلى حالة من الهدوء كما أن المواطن لا يشعر دائما بوجود حزب يتبنى قضاياه اليومية أو يقدم له حلولا عملية لما يواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية والمشكلة ليست في نقص الأحزاب، وإنما في طبيعة أدائها و الحياة السياسية لا تصبح أكثر قوة كلما زاد عدد الأحزاب، وإنما عندما تصبح هذه الأحزاب قادرة على المنافسة بالأفكار والبرامج والكفاءات، السياسة في جوهرها ليست شعارات، بل إدارة للمصالح العامة، وقدرة على الإقناع، والتواصل مع المجتمع، وصناعة بدائل واقعية.
ومن وجهة نظري، فإن أول ما تحتاج إليه الأحزاب اليوم هو العودة إلى الناس، لا يكفي عقد المؤتمرات المواطن يريد أن يرى الحزب حاضرا في قريته وحيه ومدينته، يستمع إلى مشكلاته، ويساعد في طرح حلول لها، ويكون جزءا من حركة المجتمع، لا مجرد مراقب لها، ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في العنصر البشري، الحزب الذي لا يخرج قيادات جديدة يفقد قدرته على الاستمرار، الشباب والمرأة ليسا مجرد أرقام في الهياكل التنظيمية، وإنما طاقات يجب إعدادها وتأهيلها لتكون قادرة على تحمل المسؤولية وكل تجربة سياسية ناجحة في العالم بدأت من مدرسة حزبية حقيقية تخرج كوادر تمتلك المعرفة والخبرة، وليس فقط الحماس.
إن تطوير الخطاب السياسي أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها، المواطن لم يعد ينجذب إلى العبارات العامة أو الوعود الفضفاضة، بل يبحث عن رؤية واضحة بشأن فرص العمل، والتعليم، والصحة، والإدارة المحلية، والاستثمار، وجودة الخدمات وكلما اقتربت الأحزاب من هذه الملفات، زادت قدرتها على كسب ثقة الناس، وفي تقديري، فإن التوجيه الرئاسي بالإسراع في استكمال انتخابات المجالس المحلية يمثل فرصة لا ينبغي إهدارها، المحليات هي المدرسة الحقيقية للعمل السياسي، ومنها تبدأ صناعة القيادات القادرة على فهم احتياجات المجتمع وإدارة موارده، كما أنها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة كثير من المشكلات اليومية، من تحسين الخدمات إلى مكافحة الفساد، ومن متابعة المشروعات إلى دعم خطط التنمية في القرى والنجوع قبل المدن الكبرى.
ولهذا فإن على الأحزاب أن تبدأ من الآن في إعداد كوادرها لخوض هذا الاستحقاق المهم، ليس بهدف المنافسة الانتخابية فقط، وإنما بهدف تقديم عناصر تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على خدمة المواطنين، فالمجالس المحلية القوية ستنعكس مباشرة على جودة الإدارة المحلية، وستسهم في تعميق المشاركة الشعبية وتعزيز الرقابة على الأداء التنفيذي.
إن الرسالة التي فهمتها من خطاب الرئيس هي أن الدولة أنجزت جانبا كبيرا من بناء المؤسسات، وحان الوقت لأن تستعيد السياسة دورها الطبيعي في دعم هذا البناء، الدولة القوية لا تقوم على حكومة كفؤة فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى أحزاب قوية، وإعلام مسؤول، ومجتمع يشارك في صناعة القرار، وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا للأحزاب السياسية، فإما أن تنجح في تجديد أدواتها، والانفتاح على المجتمع، وإعداد قيادات قادرة على المنافسة، وإما أن تظل حبيسة الأطر التقليدية التي لم تعد تلبي تطلعات الشارع.
السياسة في النهاية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لبناء دولة أكثر تماسكا وكفاءة، وعندما تتحول الأحزاب إلى مؤسسات تعمل وسط الناس، وتناقش قضاياهم، وتقدم حلولا واقعية، وتعد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية، فإنها لا تخدم نفسها فقط، بل تخدم الدولة والمجتمع معا، وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي أراد الرئيس التأكيد عليها: أن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتمل إلا بحياة سياسية نابضة بالحركة، قادرة على مواكبة ما تحقق من إنجازات، وصناعة مستقبل يشارك فيه الجميع.














