بقلم: د.هناء خليفة
( باحثة ـ دكتوراه الإعلام الرقمي ـ جامعة المنصورة)
»» هل نناقش ما يهم المجتمع أم ما تفرضه الخوارزميات؟!
في الماضي، كانت القضايا الكبرى تفرض نفسها على الرأي العام بحجم تأثيرها الحقيقي في حياة الناس… كانت الأزمات الاقتصادية، وقضايا التعليم، والصحة، والتنمية، والأمن القومي، تشغل مساحة واسعة من الاهتمام لأنها تمس المجتمع بصورة مباشرة. أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد السؤال: ما القضية الأكثر أهمية؟ بل أصبح: ما القضية الأكثر تداولًا؟
لقد انتقلنا تدريجيًا من عصر “الأولويات المجتمعية” إلى عصر “الأولويات الرقمية”، حيث أصبحت الخوارزميات شريكًا خفيًا في تحديد ما نراه، وما نناقشه، وما نغضب منه، وما ننساه أيضًا، إنها سلطة جديدة لا تحمل سلاحًا، ولا تصدر قرارات رسمية، لكنها تمتلك قدرة هائلة على توجيه الانتباه، وإعادة ترتيب أجندة النقاش العام، بل وصناعة ما يمكن تسميته بـ”الواقع الرقمي”، الذي لا يكون بالضرورة انعكاسًا للواقع الحقيقي.
ـ عندما يصبح “الترند” أهم من الحقيقة
الترند في جوهره ليس معيارًا للأهمية، وإنما معيارًا لكثافة التفاعل خلال فترة زمنية قصيرة. فقد يصبح مقطع ترفيهي، أو تصريح مثير، أو شائعة غير موثقة، القضية الأكثر تداولًا، بينما تتراجع ملفات أكثر خطورة وتأثيرًا في حياة المواطنين إلى هامش الاهتمام.
وهنا تكمن المفارقة؛ فليس كل ما ينتشر يستحق الانتشار، وليس كل ما يستحق الاهتمام ينجح في الوصول إلى قوائم الترند.
ـ الخوارزميات… المحرر الجديد للرأي العام
لا تعمل المنصات الرقمية بطريقة عشوائية، بل تعتمد على خوارزميات معقدة تراقب سلوك المستخدمين باستمرار، وتحلل ما يشاهدونه، وما يشاركونه، وما يعلقون عليه، ثم تقدم لهم المزيد من المحتوى المشابه.
ومع مرور الوقت، لا يكتفي المستخدم باختيار المحتوى، بل يبدأ المحتوى نفسه في اختيار المستخدم… فكل نقرة، وكل إعجاب، وكل مشاركة، تتحول إلى بيانات تستخدمها المنصة لإعادة تشكيل البيئة الإعلامية المحيطة بالفرد، حتى يجد نفسه محاطًا بأفكار وآراء وقضايا متشابهة، بينما تختفي تدريجيًا الموضوعات الأخرى من مجال رؤيته.
*اقتصاد الانتباه… المعركة الحقيقية*
أصبحت المنافسة اليوم لا تدور حول جودة المعلومات، وإنما حول جذب الانتباه… فالانتباه تحول إلى مورد اقتصادي ثمين، تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون ووسائل الإعلام.
ولهذا السبب تنتشر العناوين المثيرة، والمقاطع الصادمة، والمعلومات المجتزأة، لأنها تحقق تفاعلًا أكبر، حتى وإن جاءت على حساب الدقة أو التوازن.
*الترند… بين الوعي والتضليل*
ليس كل ترند سلبيًا؛ فكثير من القضايا الإنسانية والمبادرات المجتمعية وحملات التوعية نجحت في الوصول إلى ملايين الأشخاص بفضل قوة المنصات الرقمية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترند هو المعيار الوحيد للحكم على أهمية القضايا، وعندما تتحول سرعة الانتشار إلى بديل عن جودة المعلومة، أو عندما تُستغل الخوارزميات في نشر الشائعات، أو إثارة الانقسام، أو تضخيم أحداث محدودة حتى تبدو وكأنها تمثل المجتمع بأكمله.
فالترند قد يضيء قضية تستحق الاهتمام، وقد يحجب في الوقت نفسه عشرات القضايا الأكثر أهمية.
ـ كيف نستعيد أولوياتنا؟
لا يكفي أن نسأل: “ما الذي يتصدر المنصات اليوم؟”، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: “ما الذي يستحق فعلًا أن يشغل تفكيرنا؟”
إن بناء الوعي الرقمي يبدأ من إدراك أن ما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة الصورة الكاملة، وأن الخوارزميات لا تهتم بما ينفع المجتمع، بقدر اهتمامها بما يزيد التفاعل.
ولذلك، يصبح من الضروري تنويع مصادر المعلومات، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة، والتحقق من الأخبار قبل إعادة نشرها، وتخصيص مساحة للاهتمام بالقضايا الجوهرية التي قد لا تتصدر قوائم الترند، لكنها تمس حاضر المجتمع ومستقبله.
وختاماً.. ربما لم تعد المعركة الحقيقية تدور حول من يملك المعلومة، بل حول من يملك القدرة على توجيه الانتباه إليها، وفي عصر الخوارزميات، لم يعد تشكيل الرأي العام يتم فقط عبر الكلمات والصور، بل عبر ترتيبها، وتوقيت ظهورها، وعدد مرات تكرارها أمام أعيننا.














