بقلم : د. نهال أحمد يوسف
(أكاديمية وباحثة في الإعلام والاتصال والدراسات الثقافية)
التاريخ لا يصل إلينا عاريًا؛ يدخل وعينا مرتديًا الكلمات التي اختارها له من رواه. ولهذا لا يدور الخلاف حول ثورة 23 يوليو 1952 على الوقائع وحدها، وإنما على الزاوية التي تُرتَّب منها هذه الوقائع. ففي قطاع معتبر من الكتابة الغربية تُختزل يوليو في عبارة جاهزة: «انقلاب عسكري أطاح بملكية دستورية». والعبارة لا تخلو من حقيقة جزئية؛ فقد تحرك الضباط الأحرار من داخل المؤسسة العسكرية، وكان عدد المشاركين في اللحظة الأولى محدودًا. غير أن الحقيقة الجزئية تتحول إلى حجاب عندما تُقدَّم بوصفها الحقيقة كلها، فيُحاصر الحدث في ليلة واحدة، وتُمحى من خلفه عقود من الاحتلال والتفاوت الاجتماعي وانسداد المجال السياسي وجرح فلسطين وعجز النظام القديم عن تحقيق استقلال كامل أو إصلاح مقنع.
وقبل أن نسأل ماذا فعل الضباط في تلك الليلة، يلزم أن نسأل: أي مصر كانت تقف عند عتبة يوليو؟ كانت ثورة 1919 قد صنعت وعيًا وطنيًا واسعًا، لكنها انتهت إلى استقلال منقوص تحتفظ فيه بريطانيا بقواتها ونفوذها الحاسم. وجاء دستور 1923 حاملًا إمكانًا ليبراليًا حقيقيًا، فيما ظلت البرلمانات عرضة للحل، والحكومات للإقالة، والسيادة معلقة عند إرادة قوة أجنبية. ثم جاء حصار الدبابات البريطانية لقصر عابدين عام 1942 ليفضح المسافة بين الدستور المكتوب والقرار الفعلي. وبعد هزيمة 1948، رأى الضباط والمصريون في جرح فلسطين فساد الإدارة وهشاشة الحكم. وحين احترقت القاهرة في يناير 1952، كانت النيران علامة على نظام فقد قدرته على احتواء تناقضاته أو تقديم أفق للخروج منها.
من هنا لا تتساوى الكلمات التي نطلقها على الحدث. فعندما تضعه رواية خارجية تحت اسم «الانقلاب»، تتقدم صورة الثكنة ويتراجع المجتمع، ويبدو التاريخ كأنه صُنع في ساعات بمعزل عن مصر التي سبقته. أما وصفه بالثورة فيمد النظر إلى ما قبل الثالث والعشرين من يوليو وما بعده، فنرى أثره في الملكية والاقتصاد والتعليم ومفهوم السيادة وموقع مصر في العالم. بدأت يوليو بفعل عسكري، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار، ثم تجاوز أثرها من قاموا بالحركة الأولى، وأعادت ترتيب قواعد الدولة وفرص الصعود الاجتماعي. لذلك يصبح السؤال الأكثر إنصافًا: هل نعرّف الحدث بطريقة بدايته فقط، أم بحجم ما غيّره في حياة الناس؟
ولا يصح، في المقابل، أن نتحدث عن «الغرب» كما لو كان صوتًا واحدًا. فالكتابة البريطانية التي عاصرت الثورة حملت جرح فقدان الإمبراطورية وموقعها في قناة السويس، ونظرت فرنسا إلى صعود عبد الناصر من خلال حرب الجزائر وتراجع النفوذ الاستعماري، بينما رأت الولايات المتحدة مصر في ضوء التحالفات والحرب الباردة والخوف من اقترابها من الاتحاد السوفيتي. وقدمت دراسات غربية لاحقة قراءات أكثر تعقيدًا وإنصافًا. ومع ذلك استمرت في قطاعات من الصحافة والبحث صورة تجعل التجربة الأوروبية معيارًا وحيدًا للتحديث، وتحاكم الدولة الوطنية في الجنوب قبل أن تحاكم الاستعمار الذي قيّدها، وتقيس الحرية السياسية بمعزل عن السيادة والعدالة الاجتماعية.
ويظهر اختلاف الرؤية بوضوح في حكاية السويس. ففي الإنجليزية الغربية استقر تعبير «أزمة السويس»، وهو تعبير هادئ يحول قرار الحرب إلى حالة غامضة كأنها وقعت بلا مهاجم أو ضحية. أما الذاكرة المصرية فتقول «العدوان الثلاثي»، فتسمّي بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وتعيد الواقعة إلى الأرض التي وقع عليها العدوان. وحتى تأميم قناة السويس يُروى أحيانًا بوصفه استيلاءً متهورًا أربك النظام الدولي، مع أن القرار نص على تعويض المساهمين، ولم يكن في المرسوم ما ينتهك حرية الملاحة. ما رآه المركز الإمبراطوري فقدانًا لأداة نفوذ، رآه المصريون استردادًا لحق طال تأجيله. الفارق هنا ليس بين كلمتين فقط؛ إنه الفارق بين قصة تُروى من زاوية ما خسرته الإمبراطوريات، وقصة تُروى من زاوية ما استعادته مصر.
ولهذا لا تتطابق صورة الثورة في الخارج مع معناها داخل البيوت المصرية. الغرب الذي نظر إلى جمال عبد الناصر رأى قائدًا أربك خرائط النفوذ وفتح الباب أمام موجة تحرر في آسيا وأفريقيا. أما المصري البسيط فكان يرى خروج آخر جندي بريطاني من منطقة القناة، وعلمًا مصريًا يرتفع فوق منشأة ظلت رمزًا لثروة تعبر البلاد من دون أن تملكها البلاد. وكان يرى قانونًا للإصلاح الزراعي يضع حدًا للملكية الكبيرة، وتعليمًا عامًا وجامعيًا يفتح طريقًا أمام أبناء لم تكن عائلاتهم تتخيل لهم مكانًا فيه. رأى كذلك صعود فكرة جديدة تقول إن الدولة مسؤولة عن العدالة الاجتماعية، وإن ابن الفلاح والعامل لا يُطلب منه أن يقبل موقعه الموروث وكأنه قدر طبيعي.
لم يقضِ الإصلاح الزراعي على الفقر، ولم يجعل الريف متساويًا، لكنه مسّ علاقة تاريخية بين السيد والتابع، ووجّه رسالة بأن توزيع الأرض ليس أمرًا طبيعيًا خارج السياسة. وفتح التعليم أبواب الحراك الاجتماعي، ثم راكم مع الزمن مشكلات الكم والجودة والبيروقراطية. ومنح التصنيع والقطاع العام الدولة قدرة إنتاجية واستقلالًا نسبيًا، قبل أن يصيب بعض مؤسساتهما الترهل وسوء الإدارة. غير أن نقد النتائج لا يبرر إنكار التحول؛ فقد تبدلت توقعات ملايين البشر من الحياة، واتسعت الطبقة الوسطى، وأصبح التعليم والعمل والترقي الاجتماعي حقوقًا تدخل في العقد الأخلاقي للدولة، حتى عندما تعجز عن الوفاء بها كاملة.
وامتد التغيير إلى موقع المرأة في المجال العام. منح دستور وقانون 1956 النساء حق الانتخاب والترشح، واتسعت فرص التعليم والعمل، فظهرت أجيال جديدة من الطبيبات والمدرسات والموظفات والباحثات. ولم يلغ الاعتراف القانوني البنية الأبوية، ولم يجعل المساواة حقيقة مكتملة، لكنه فتح بابًا لم يعد ممكنًا إغلاقه في الوعي العام. كذلك لم تكن استعادة القرار الوطني شأنًا مصريًا منعزلًا؛ ففي باندونغ عام 1955 جلست مصر بين دول آسيوية وأفريقية تبحث عن موقع خارج الاستقطاب الصلب للحرب الباردة. ومن خلال عدم الانحياز ومساندة حركات التحرر، انتقلت مصر من موضوع في حسابات القوى الكبرى إلى طرف يتحدث باسمه ويشارك في صياغة لغة جديدة للجنوب العالمي.
ومع ذلك لا تحتاج ثورة يوليو إلى أسطورة كي تبقى مهمة. فمن حق المصريين أن يناقشوا كلفتها السياسية: حل الأحزاب، وتضييق المجال العام، وتقييد الصحافة، والسجون والانتهاكات، وترسيخ مركزية جعلت الدولة أكبر من المجتمع في مساحات كثيرة. ولا يمكن المرور على هزيمة يونيو 1967 بوصفها عثرة عابرة؛ فقد كشفت خللًا عميقًا في صناعة القرار وفي العلاقة بين السلطة والمساءلة. فالسلطوية لا تكتفي بإسكات المعارض، وإنما تحرم المشروع نفسه من أجهزة الإنذار التي تكشف الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة. هذه الوقائع جزء من ميراث يوليو مثلما أن الجلاء والسد العالي والتصنيع والإصلاح الاجتماعي جزء منه.
غير أن بعض الكتابات الغربية تستخدم أخطاء التجربة لتثبيت ثنائية قديمة: غرب ديمقراطي عقلاني في مقابل شرق لا ينتج إلا الحكم الفردي والانفعال الجماهيري. وفي هذه الصورة يختفي تاريخ التدخل الخارجي، ويظهر الاستعمار كأنه تفصيل انتهى قبل بدء الحكاية. وتغيب حقيقة أن القوى التي تحدثت عن الدستور ساندت ترتيبات تقيد السيادة عندما وافقت مصالحها، ولم تتردد في شن حرب عام 1956 حين خرج القرار المصري عن المجال المرسوم له. لا يعني ذلك تعليق أخطائنا على مشجب الغرب؛ فذلك هروب من المسؤولية. المقصود ألا يتحول الغرب إلى قاضٍ خارج التاريخ، وألا تُستدعى قيم الحرية عند نقد الشعوب المستقلة ثم تغيب عند مساءلة الإمبراطوريات عن عنفها ومصالحها.
وفي الاتجاه الآخر، تقع بعض الكتابات العربية في فخ معاكس حين تتعامل مع الثورة كأن انتماءها إلى مشروع التحرر يعفيها من النقد. كلتا الروايتين تختزل المصريين: الأولى تراهم جمهورًا منقادًا لضباط، والثانية تراهم كتلة تهتف بلا حق في السؤال. والحقيقة الإنسانية أوسع. أيد الناس الثورة لأنهم لمسوا فيها كرامة وطنية وفرصة اجتماعية، واعترض بعضهم عليها أو على جوانب منها لأنهم دفعوا أثمانًا حقيقية في الحرية والسياسة والاقتصاد. المصري ليس هامشًا في قصة يكتبها منتصر خارجي، وليس شاهد تصديق في رواية رسمية؛ إنه صاحب خبرة وذاكرة: المدرسة التي دخلها أبوه، والفدان الذي امتلكه جده، والمصنع الذي عملت فيه أمه، والخوف الذي عرفه قريب له بسبب رأي سياسي.
ومن هنا تأتي أهمية 23 يوليو لنا نحن المصريين. نحن لا نستعيد واقعة انتقال الحكم من ملكي إلى جمهوري فحسب، وإنما لحظة أعادت تعريف من يحق له أن يظهر في صورة الوطن. دخلت فئات أوسع إلى التعليم والثقافة والإدارة والجيش، وتبدلت صورة البطل في السينما والرواية والأغنية، وصار صوت القاهرة جزءًا من خيال عربي وأفريقي يتطلع إلى التحرر. غيّرت الثورة «قابلية التوقع» لدى الإنسان العادي: ما الذي يستطيع أن يحلم به، وما الذي يراه حقًا له لا منّة عليه. ومنذ ذلك الوقت لم يعد ممكنًا لأي دولة في مصر أن تعلن صراحة أنها غير معنية بالفقراء أو بالتعليم أو بالسيادة الوطنية؛ صار عليها، حتى حين تتراجع، أن تبرر تراجعها داخل القاموس الذي ساهمت يوليو في تثبيته.
إن 23 يوليو ليست صنمًا وطنيًا نحرسه من النقد، وليست مسرح جريمة تاريخية نختصره في لائحة اتهام. إنها لحظة تأسيس كبرى حملت حلم التحرر والعدالة، وحملت داخلها أيضًا بذور المركزية وإضعاف التعدد السياسي. وبعد أكثر من سبعة عقود، لا يزال سؤالها قائمًا: كيف تكون مصر مستقلة القرار، عادلة الفرص، قوية الدولة، وحرة المجتمع في الوقت نفسه؟ الإجابة لا توجد في تمجيد زمن انتهى، ولا في استيراد حكم جاهز من كتابة تنظر إلينا من خارج تجربتنا. توجد في قراءة مصرية واثقة لا تخجل من منجزها ولا تخاف من أخطائها. عندئذ تصبح ذكرى يوليو فرصة لامتلاك التاريخ، ولتأكيد أن من حق الشعوب التي صنعت التحول وتحملت كلفته أن تكون شريكة في تعريفه.














