بقلم: د. حنان سالم
(دكتوراه الفلسفة المعاصرة ،كلية الآداب جامعة العريش)
في اللحظة الأولى للكارثة، حين تهتز الأرض فجأة، وتشتعل الحرائق، وتعصف الرياح بالبحر .. لا يفكر الإنسان كثيرًا؛ إنه يشعر، بل تتوقف اللغة للحظات، ويتقدم الخوف على العقل، فتضطرب الحواس ويعجز الإنسان عن استيعاب ما يحدث.
عندها تتباين ردود الأفعال أمام الصدمة؛ فمنها من يظن أن ما يحدث مجرد حلم عابر، ومنها من يصاب بالهلع والفزع، ومنها من يشعر بأن العالم من حوله يوشك على الانهيار وأنها آية غضب من الله، فكل ما يسيطر عليه هو الخوف والحزن بكل صوره.
في تلك اللحظة الخاطفة، يتصدع في داخلنا شعور عميق بأن العالم مستقر، وأن الأشياء من حولنا تسير وفق ما نعرف أو نألف. فتتصارع الأسئلة في الداخل قبل أن تجد طريقها إلى الكلمات: ماذا يحدث؟ هل انتهى الأمر؟ وماذا بعد ذلك؟.
أسئلة لا تبحث في تلك اللحظة عن إجابات بقدر ما تكشف عن حاجة الإنسان إلى اليقين حين يفقد فجأة إحساسه بالسيطرة وتنكسر بداخله القوة، ويهتز استقراره الذي اعتاد أن يعيش فيه.
فالزلزال مثلا ظاهرة طبيعية لها أسبابها وقوانينها التي يفسرها العلم، لكنها في التجربة الإنسانية تتجاوز التفسير الفيزيائي؛ ففي لحظتها الأولى، لا تهز الأرض وحدها؛ إنما تهز الشعور بالأمان، تهز الصورة التي كونها الإنسان – منذ زمن بعيد – عن العالم وعن قدرته على التحكم فيه، والهيمنة عليه.
فالكارثة لا تكشف فقط قوة الطبيعة، بل تكشف الإنسان أمام نفسه؛ تكشف خوفه، ومحدوديته في السيطرة، وحاجته إلى المعنى، وعلاقته بالعالم، وبالآخر، وبذاته. وهنا ينكشف الوهم العميق بداخله في قدرته علي إخضاع كل شيء لحساباته وترتيباته اليومية، ليقف أمام حقيقة موجعة بأن شعوره بالأمان لم يكن يعني خلو العالم من المخاطر، بل كان يعني أنه اعتاد ألا يراها.
ولعل الملاحظة الأهم هنا أن الإنسان لا يكتشف هشاشته في لحظة الكارثة فقط، بل يكتشف معها معنى إنسانيا آخر: يتمثل في حاجته إلى الآخرين. فعندما تهتز الأرض، تسقط بعض الحدود الوهمية التي تفصل الإنسان عن الإنسان( الغني، والفقير، المتعلم، والجاهل، الكبير والصغير ) جنبا إلى جنب ليصبح الخوف مشتركًا، والنجاة مسؤولية جماعية، ويصبح التضامن لغة تتجاوز اختلافات الحياة اليومية. لتفتح أسئلة أخلاقية ووجودية حول الحياة والمصير.
بيد أن السؤال المهم هنا: ماذا يحدث لو لم تكون الكارثة مجرد لحظة عابرة، بل واقعًا ممتدًا؟ ماذا يحدث عندما يصبح الخطر جزءا من الحياة اليومية، ويصبح الإنسان مطالبًا بأن يعيش، ويعمل، ويربي أبناءه، ويحافظ على ما تبقى من تفاصيل حياته، وهو يعرف أن الخطر يمكن أن يأتي في أي لحظة؟
ففي “غزة” المكلومة أبلغ مثال، لأنه لا تبدو الكارثة مجرد حدث يقع ثم ينتهي، وإنما حالة مستمرة تعيد تعريف معنى الأمان والاستقرار. ومع ذلك، فإن بقاء الناس في أماكنهم، وتمسكهم ببيوتهم وأرضهم وذاكرتهم وتفاصيل حياتهم اليومية، يكشف معنى آخر للاستقرار؛ ليس الاستقرار بوصفه غياب الخطر، وإنما بوصفه إيمان الإنسان بالتمسك بالحياة ومواصلتها رغم استمرار الخطر. في حين من يتملك الأمان قد لا يقدر قيمته.
وهنا تتغير دلالة السؤال.
ففي الظروف الطبيعية، نعتقد أن الإنسان يستقر لأنه آمن. أما في الظروف الاستثنائية، فقد يثبت الإنسان لأنه يبحث عن الأمان في معنى أعمق من مجرد المكان الآمن. البيت لا يعود جدرانا فقط، والأرض لا تعود مساحة جغرافية فحسب، والحي لا يعود مجموعة من المباني بل ركام ؛ إنها تتحول إلى ذاكرة وهوية وانتماء وشعور بالوجود.
ومن هذه الزاوية، يصبح استقرار الإنسان في غزة سؤالًا فلسفيًا عن العلاقة بين الإنسان والمكان: هل المكان هو الذي يمنح الإنسان شعوره بالاستقرار، أم أن الإنسان هو الذي يمنح المكان معناه؟
ربما كلاهما. فيصبح السؤال أعمق عندما نتساءل: كيف يستطيع الإنسان أن يبحث عن الأمان في قلب عدم الأمان؟
ربما لأن الإنسان لا يستمد استقراره من المكان وحده؛ وإنما من الإيمان والانتماء والأسرة والذاكرة والمعنى. والإيمان بالله لا يعني تمجيد المعاناة أو الاعتياد على الخطر، بل يمنح الإنسان القدرة على الصبر والرجاء، مع السعي إلى دفع الضرر وحماية الحياة ورفض الظلم.
ومن هنا تلتقي الرؤية الدينية مع العقلية والإنسانية: العقل يبحث عن أسباب الكارثة وكيفية الوقاية منها، والإيمان يمنح أفقًا للمعنى والرجاء، والأخلاق تضع الإنسان أمام مسؤوليته تجاه المتضررين.
فالإنسان قد لا يملك تفسيرًا كاملًا لكل ما يحدث، لكنه يملك مسؤولية واضحة تجاه ما يستطيع فعله: أن يحمي الحياة، ويخفف الألم، ويقاوم الظلم، ويأخذ بالأسباب، ويبني مستقبلًا أكثر أمانًا.
ولعل أعمق ما تكشفه الكارثة أن الاستقرار ليس دائمًا غياب الخطر، بل قد يكون وجود معنى يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار حتى يعود الأمان.
وهكذا تنتقل فلسفة الكارثة من صدمة الحدث إلى رمزية المعنى؛ من الخوف إلى السؤال، ومن السؤال إلى الوعي، ومن الوعي إلى المسؤولية.
فالزلزال قد يهز الأرض، والحرب قد تهز المكان، لكن السؤال الأعمق يبقى: ماذا يبقى من الإنسان عندما يهتز كل شيء من حوله؟
يبقى إيمانه، ومعناه، وذاكرته، وعلاقته بالآخر، ومسؤوليته عن الحياة.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل: أن الكارثة، وهي تكشف هشاشة الإنسان، قد تكشف في الوقت نفسه شيئًا من قوته؛ وأن الإنسان، حين يفقد القدرة على التحكم في كل شيء، قد يكتشف أن القوة ليست دائمًا في السيطرة، وإنما أحيانًا في الثبات، وفي الرجاء، وفي التمسك بالحياة، وفي الإيمان بأن وراء ما نعجز عن فهمه حكمة لا نحيط بها.
فالكارثة قد تهز العالم الذي نعرفه، لكن الإيمان يساعد الإنسان على ألا يفقد العالم الذي في داخله. ويصبح الهدف الأخلاقي الاسمي له ليس التدريب علي التعايش مع الخطر، بل العمل على إنهاء الخطر وصناعة السلام وحماية الحياة.
(فالاستقرار ليس فقط أن تغيب الكارثة، بل أن يبقى للإنسان مكان ومعنى وحق في الحياة).














