بقلم: أحمد شتيه
لم تكن الهزة الأرضية التي شعر بها ملايين المصريين فجر الإثنين مجرد حدث جيولوجي عابر، بل كانت اختبارًا جديدًا يكشف حجم التحول الذي شهدته الدولة المصرية في إدارة مخاطر الزلازل مقارنة بما حدث قبل أكثر من ثلاثة عقود، عندما ضرب زلزال 12 أكتوبر 1992 القاهرة الكبرى، مخلفًا خسائر بشرية ومادية كبيرة، ومثيرًا حالة من الارتباك والخوف.
ورغم أن زلزال الأمس، الذي بلغت قوته نحو 5.5 إلى 5.6 درجة وشعر به سكان القاهرة وعدد من المحافظات، أعاد إلى الأذهان ذكريات زلزال التسعينيات، فإن المشهد هذه المرة كان مختلفًا بصورة واضحة، سواء في سرعة الاستجابة أو جاهزية مؤسسات الدولة أو وعي المواطنين.
أول ما تغير هو منظومة الرصد والإنذار. ففي عام 1992 كانت وسائل متابعة النشاط الزلزالي محدودة، بينما تمتلك مصر اليوم شبكة قومية متطورة لرصد الزلازل تعمل على مدار الساعة، قادرة على تحديد موقع الهزة وقوتها وعمقها خلال دقائق، مع إصدار بيانات رسمية سريعة تحد من الشائعات وتوضح حقيقة الموقف.
كما شهدت منظومة إدارة الأزمات تطورًا كبيرًا، حيث أصبحت هناك غرف عمليات تعمل بالتنسيق بين المحافظات وأجهزة الحماية المدنية والإسعاف ووزارة الصحة، مع تفعيل خطط الطوارئ فور وقوع أي هزة أرضية، وهو ما انعكس في سرعة متابعة الموقف والتأكد من عدم وجود خسائر جسيمة عقب زلزال الأمس.
وفي قطاع التشييد، تغيرت معايير البناء بصورة كبيرة، فقد جرى تحديث الأكواد الهندسية المصرية لتصبح أكثر قدرة على مقاومة الأحمال والزلازل، خاصة في المدن الجديدة والمشروعات القومية، وهو ما يعزز من سلامة المنشآت ويحد من احتمالات الانهيارات مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ثلاثة عقود.
أما في مجال التكنولوجيا، فقد شهد المواطنون لأول مرة وصول تنبيهات مبكرة على العديد من هواتف أندرويد قبل أو بالتزامن مع الشعور بالهزة، وهي تقنية تعتمد على رصد الموجات الزلزالية وإرسال إشعارات تحذيرية، ما يعكس دخول أدوات رقمية حديثة إلى منظومة التوعية والإنذار.
ولم يعد التعامل مع الزلازل يعتمد فقط على إمكانات الدولة، بل أصبح وعي المواطنين عنصرًا أساسيًا في منظومة الحماية، فبفضل انتشار وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، باتت المعلومات والإرشادات تصل إلى الجمهور بسرعة، مع قدرة أكبر على التحقق من الأخبار الرسمية ومواجهة الشائعات.
الخلاصة : رغم هذا التطور، يؤكد الخبراء أن الزلازل لا يمكن التنبؤ بموعد حدوثها بدقة، وأن أفضل وسائل الحماية تظل في الالتزام بكود البناء، والاستعداد المسبق، والالتزام بتعليمات الجهات المختصة أثناء وقوع الهزات الأرضية.
لقد أثبتت هزة الأمس أن مصر لم تعد الدولة نفسها التي واجهت زلزال 1992؛ فبين الحدثين أكثر من ثلاثين عامًا من تطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات الرصد، ورفع كفاءة إدارة الأزمات، وتحديث معايير البناء، إلى جانب تطور التكنولوجيا وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي. إنها رحلة طويلة من التعلم والاستعداد، تؤكد أن مواجهة الكوارث الطبيعية أصبحت أكثر تنظيمًا وكفاءة، حتى وإن ظلت الطبيعة تحمل دائمًا عنصر المفاجأة.














