»» مبادرة الأمن العالمي والدبلوماسية الخضراء .. استراتيجية شاملة
بقلم : د. شريف فاروق (خبير العلاقات الدولية والأمن الإقليمى والدولى)
جسدت مبادرة الأمن العالم ، والتي أطلقها الرئيس الصيني “شي جين بينغ” في عام 2022، رؤية إستراتيجية شاملة تهدف إلى تحقيق السلام والأمن العالميين على قاعدة راسخة من التنمية المستدامة والرخاء المشترك.
وترتكز المبادرة على مبدأ أساسي مفاده أن الأمن التنموي والبيئي جزء لا يتجزأ من الأمن الاستراتيجي الشامل ، ولا سيما لدول الجنوب العالمي والدول النامية. ومن هذا المنطلق ، سعت الصين إلى تعميق الشراكات ونقل خبراتها الرائدة وتجاربها التطبيقية في مختلف المجالات لمساعدة الدول النامية على تجاوز تحديات الفقر والتدهور البيئي من خلال عقد السيمنارات الدولية والدبلوماسية البيئية الصينية .
كما تُعد السيمنارات والبرامج التدريبية الدولية التي تنظمها الأكاديمية الوطنية لإدارة الغابات والمراعي (NAFGA) برعاية وزارة التجارة الصينية إحدى الأدوات الفعالة لتنفيذ مبادرة الأمن العالمي. إن عقد مثل هذه الدورات المتخصصة لبناء القدرات مثل سيمنار “حماية الأراضي الرطبة ومحادثات اتفاقية “رامسار” للدول النامية يترجم التزام الصين بدعم الدول النامية في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي. فالأمن البيئي لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو ركن أساسي لصون الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، حيث تساهم هذه الأنشطة في تمكين الكوادر الوطنية بالدول النامية من التعرف على أفضل الممارسات الصينية في إدارة الموارد الطبيعية وحماية البيئة بطرق مستدامة.
تستعرض المحاضرات التي القيت خلال سيمنار حماية الاراضى الرطبة حزمة من الحلول التطبيقية والإستراتيجية الشاملة التي قدمتها الصين لمعالجة التعارض التاريخي بين الحماية البيئية والتنمية الاقتصادية ، ومن أبرزها تجربة الصين في القضاء التام على الفقر الصريح ومن خلال نموذج “الاقتصاد الأخضر في المناطق الريفية “، حيث أثبتت الصين أن حماية البيئة لا تعني تجميد التنمية ، بل خلق فرص دخل متنوعة للسكان المحليين من خلال التوسع في الزراعة المتعددة الطبقات ، ورعاية الثروة الحيوانية ، وجمع وتجهيز المنتجات غير الخشبية لتوليد دخل للمزارعين دون الإضرار بالوظيفة البيئية للغابات والأراضي الرطبة.
فضلاً عن تقديم تعويضات مالية للمزارعين لقاء حماية الأنظمة البيئية ، وتوظيف الفئات الأكثر فقراً كحراس بيئيين لحماية الغابات والأراضي الرطبة (حيث تم توظيف أكثر من 1.1 مليون حارس بيئي)، مما حقق مكاسب مزدوجة للتنمية والحماية. مع منح المزارعين حقوق إدارة الأرض والاستفادة منها لتشجيع الاستثمار الأخضر والسياحة البيئية.
قدم هذا السيمنار المفهوم الصينى لمجتمع الحياة المشترك من خلال تطبيق الرؤية الصينية التكاملية “الجبال ، المياه، الغابات، الحقول، البحيرات، الأراضي الرطبة والصحاري تشكل مجتمع حياة واحد”، وهو ما تجسد في مشروع
“Shan-Shui Initiative” المعترف به أممياً. ويعتمد هذا المفهوم على نظام حراس الغابات من خلال إرساء نظام مسؤولية قيادي خماسي المستويات (من مستوى المقاطعة إلى القرية) لضمان حماية الموارد الطبيعية وحوكمتها. فضلاً عن التوسع في المحميات الوطنية والالتزام باتفاقية رامسار من خلال إنشاء نظام محميات تقوده المتنزهات الوطنية وتدريج حماية الكائنات المهددة بالانقراض، بالإضافة إلى إنشاء “المركز الدولي للمانغروف” بمدينة شنزن وتعزيز شبكة الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية. فضلاً عن الجمع بين الحكمة التراثية والتكنولوجيا الحديثة واستلهام فلسفة التعايش التناغمي بين الإنسان والطبيعة وتطبيقها بواسطة أحدث التقنيات ونظم الحماية التشريعية المتمثلة في قانون حماية الأراضي الرطبة.
تؤكد الرؤية الصينية من خلال هذه السيمنارات أن تحقيق الأمن البيئي العالمي لا يتم عبر إملاء الشروط ، بل من خلال الشراكة المتكافئة ، ونقل المعرفة ، وتمكين الدول النامية من تحويل مواردها الطبيعية والأراضي الرطبة إلى محركات للتنمية المستدامة والرخاء المشترك.













