بقلم: د.آية طارق عبد الهادي (مُدرس بقسم الإعلام المسموع والمرئي ـ المعهد الكندي العالى لتكنولوجيا الإعلام الحديث)
هناك فواتير ندفعها لأننا اشترينا أشياء نحتاج إليها، وفواتير أخرى ندفعها مقابل خدمات استخدمناها بالفعل، لكن أغرب الفواتير هي تلك التي ندفعها عن أشياء لم نكن نريدها من الأساس، ولم تكن تمثل لنا احتياجًا حقيقيًا، وإنما فعلناها فقط حتى لا يسأل أحد: «الناس هتقول علينا إيه؟«.
وربما تختصر هذه العبارة جانبًا مهمًا من أزمة يعيشها كثير من الأسر اليوم. ففي الوقت الذي أصبحت فيه تلبية بعض الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة، ما زال البعض مستعدًا لأن يرهق ميزانيته، وربما يستدين، من أجل مناسبة تنتهي في ساعات، أو مظهر اجتماعي سرعان ما ينساه الآخرون.
وهنا لا نتحدث فقط عن أزمة أسعار أو عن ضغوط اقتصادية، وإنما عن أزمة أخرى تتعلق بالطريقة التي أصبح بعضنا يقيس بها مكانته أمام الآخرين.
كيف يمكن لشخص أن يؤجل احتياجًا ضروريًا في بيته، ثم لا يتردد في الاقتراض من أجل مناسبة اجتماعية؟ وكيف تستطيع أسرة أن تقلل نفقاتها على أشياء أساسية، لكنها تشعر بالحرج إذا لم يكن حفل الزفاف بالشكل الذي ينتظره الأقارب والمعارف؟ ولماذا أصبح الاعتراف بأن «إمكانياتي لا تسمح» أصعب أحيانًا من تحمل دين قد يستمر شهورًا؟
لقد عرف المجتمع المصري منذ زمن طويل مثلًا شديد البساطة يقول: «على قدّ لحافك مدّ رجليك». لم يحتج أجدادنا إلى مصطلحات اقتصادية معقدة ليقولوا إن الإنسان يجب أن يعيش وفق إمكاناته، وإن الرغبات مهما اتسعت لا بد أن تتوقف عند حدود القدرة.
لكننا، فيما يبدو، أجرينا تعديلًا غير معلن على هذا المثل. صرنا أحيانًا نمد أرجلنا خارج اللحاف، ثم نستدين لشراء لحاف أكبر، لا لأننا في حاجة إليه، وإنما حتى لا يكتشف الآخرون أن اللحاف الذي نملكه قصير. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: متى تحولت المظاهر من مساحة للاختيار إلى التزام اجتماعي؟
انظر إلى بعض تفاصيل حياتنا اليومية.
حفل زفاف قد تتجاوز تكلفته قدرة أصحابه، وأثاث يجب أن يكون «مثل الناس»، وهاتف يتم تغييره رغم أنه ما زال يؤدي وظيفته، وملابس لا تُشترى للحاجة إليها بقدر ما تُشترى للصورة التي سيظهر بها صاحبها، ومناسبات أصبح الاعتذار عنها لدى البعض أكثر إحراجًا من البحث عن المال اللازم للمشاركة فيها.
المشكلة ليست في أن يحتفل الإنسان، أو أن يشتري ما يحبه، أو أن يسعى إلى تحسين مستوى حياته، فمن حق الجميع أن يستمتعوا بما يستطيعون. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستمتاع إلى منافسة اجتماعية، وتصبح نظرة الآخرين جزءًا من ميزانية الأسرة.
عندها لا نعود نشتري الأشياء لأنفسنا فقط، وإنما نشتري معها رسالة نريد إرسالها إلى المحيطين بنا: نحن بخير، نحن نستطيع، ولسنا أقل من أحد. وقد تكون هذه الرسالة باهظة الثمن. فالناس يشاهدون المظهر للحظات، بينما يبقى صاحبه وحده أمام الأقساط والديون والالتزامات.
والغريب أننا أحيانًا نمارس نوعًا عجيبًا من الترشيد؛ نوفر فيما لا يراه الآخرون، ونسرف فيما يرونه. قد تُختصر بعض احتياجات البيت، لكن لا يجوز أن تبدو المناسبة أقل من مناسبة فلان. ويمكن تأجيل شراء شيء ضروري، لكن شراء ملابس جديدة لمناسبة معينة يصبح لدى البعض أمرًا لا يقبل النقاش.
وهكذا ينتقل السؤال من: «هل نحتاج هذا؟» إلى سؤال مختلف تمامًا: «كيف سنبدو إذا لم نفعل هذا؟«. ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة اليوم من دون التوقف أمام وسائل التواصل الاجتماعي. ففي الماضي كانت دائرة المقارنة الاجتماعية محدودة نسبيًا، أما اليوم فيحمل الإنسان في هاتفه مئات الصور والنماذج التي تعرض عليه حياة الآخرين طوال الوقت. زفاف أكثر فخامة، وسيارة أحدث، ومنزل أجمل، ومطعم أغلى، ورحلة أبعد، وهاتف جديد، وملابس مختلفة. والمشكلة أننا نقارن حياتنا كاملة بلقطة اختار شخص آخر أن يعرضها علينا. نرى السيارة، ولا نرى قسطها. نشاهد حفل الزفاف، ولا نعرف حجم الالتزامات التي خلفها. نرى رحلة السفر، ولا نعرف الظروف الحقيقية لأصحابها. ونشاهد الصورة التي يقول صاحبها من خلالها: «انظروا كيف أعيش»، بينما تبقى بقية التفاصيل خارج الإطار.
وهنا يصبح الضغط مضاعفًا؛ فالواقع يطلب من الإنسان أن يعيد ترتيب أولوياته، بينما تدفعه الشاشة كل بضع دقائق إلى الاعتقاد بأنه يحتاج إلى المزيد. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف أن تصبح الاستدانة وسيلة للحفاظ على المظهر.
فالاقتراض في ذاته ليس عيبًا، وقد يكون ضرورة في العلاج أو التعليم أو السكن أو مواجهة ظرف طارئ، لكن الأمر يحتاج إلى وقفة عندما يتحول الدين إلى ثمن لصورة اجتماعية مؤقتة. فما جدوى أن يخرج الجميع من المناسبة وهم يقولون إنها كانت رائعة، بينما يبدأ أصحابها في اليوم التالي رحلة سداد تكلفتها؟ وما قيمة أن يعتقد الناس أنك تستطيع شراء شيء، إذا كنت ستقضي الأشهر التالية تحاول تدبير ثمنه؟
الأصعب من الأزمة الاقتصادية أحيانًا هو أن يعيش الإنسان أزمتين في الوقت نفسه: أزمة دخله الحقيقية، وأزمة الصورة التي يريد الحفاظ عليها أمام الآخرين. ولا يمكن بالطبع اختزال الظروف الاقتصادية العامة في سلوك الأفراد وحدهم، فالأزمات الاقتصادية ترتبط بعوامل كثيرة ومعقدة، لكن ما يستطيع الفرد التحكم فيه هو الطريقة التي يدير بها أولوياته وقراراته داخل بيته. فالإنفاق من أجل المظهر والاستدانة لتلبية توقعات الآخرين لا يصنعان أزمة اقتصادية لدولة، لكنهما بالتأكيد يستطيعان أن يصنعا أزمة حقيقية داخل بيت.
وفي ظل الضغوط المعيشية تصبح إعادة ترتيب الأولويات ضرورة لا رفاهية. الصحة أهم من المظهر، والتعليم أهم من المجاملة، واستقرار البيت أهم من إعجاب الآخرين، والقدرة على النوم من دون قلق الديون ربما تكون أهم كثيرًا من صورة جميلة تحصد عشرات أو مئات علامات الإعجاب.
المشكلة أن قول «لا أستطيع» ما زال يمثل لدى البعض نوعًا من الحرج، رغم أنه ربما يكون أكثر القرارات عقلانية. نحتاج إلى إعادة الاعتبار لعبارات بسيطة مثل: «هذا لا يناسب ميزانيتي»، و«ليس مطلوبًا أن نفعل مثل الآخرين»، و«سنفعل ما نقدر عليه«. هذه ليست عبارات فشل، وإنما علامات وعي.
فالإنسان الذي يعرف حدود إمكاناته ليس أقل شأنًا ممن ينفق أكثر منه، والأسرة التي تختار مناسبة بسيطة في حدود قدرتها ليست أقل قيمة من أسرة أقامت احتفالًا ضخمًا، والهاتف الذي يؤدي الغرض لا يفقد قيمته لمجرد ظهور هاتف أحدث في يد شخص آخر.
ربما لم تعد المشكلة اليوم أن «اللحاف قصير» فقط. المشكلة الأكبر أن بعضنا أصبح مستعدًا لأن يستدين حتى يبدو لحافه أطول أمام الآخرين، بينما تظل احتياجاته الحقيقية تنتظر. والسؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا قبل المرة القادمة التي ننفق فيها مالًا لا نملكه هو: هل أدفع ثمن شيء أحتاج إليه فعلًا، أم أدفع ثمن نظرة الناس إليّ؟ لأن الآخرين، في النهاية، سيشاهدون المشهد لدقائق ثم يمضون إلى حياتهم. أما الفاتورة… فستبقى عندنا نحن.














