بقلم : بنت سيناء م.رضوى شاهين(مديرة فرع جهاز شؤون البيئة بشمال سيناء)
» من تحديات اليوم نصنع بيئة الغد
ليست كل المدن التي نحبها تحتاج إلى مزيد من الكلمات عما يميزها…بعض المدن تحتاج أن نحول حبنا لها إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى عمل، والعمل إلى واقع يراه الناس.
ومن هنا، فإن الحديث عن البيئة في محافظة شمال سيناء ليس حديثًا عن النظافة وحدها، ولا عن التشجير والتجميل فقط، وإنما عن جودة حياة، وسلوك حضاري، ومسؤولية وطنية، ورؤية لمستقبل تستحقه هذه المحافظة وأهلها.
نحن أمام تحديات حقيقية في ملف المخلفات، ونعمل على أن تكون المرحلة المقبلة بداية أكثر تنظيمًا وكفاءة، خاصة مع بدء التعاقد على منظومة النظافة اعتبارًا من أول سبتمبر 2026.
لكن نجاح أي منظومة لن يُقاس فقط بعدد السيارات التي تجمع المخلفات، أو بحجم ما يتم رفعه من الشوارع.
النجاح الحقيقي هو أن نصل إلى مجتمع يقلل استهلاكه، ويرشد موارده، ويعيد استخدام ما يمكن استخدامه،
ويفرز ما يمكن تدويره، ويتعامل مع المخلفات باعتبارها مسؤولية تبدأ من لحظة الاستهلاك ولا تنتهي عند صندوق القمامة.
(البيئة تبدأ من سلوك المواطن)
لا يمكن أن تتحقق أي تنمية حقيقية دون سلوك إيجابي حضاري للمواطن ،فالمواطن ليس متلقيًا للخدمة فقط، وإنما شريك أصيل في نجاحها.
أن تحافظ على نظافة الشارع، ألا تلقي مخلفًا في غير مكانه، أن ترشد استهلاك المياه والطاقة، أن تحافظ على الأشجار والممتلكات العامة، وأن تتعامل مع المخلفات بصورة مسؤولة..
كل ذلك ليس تفاصيل صغيرة..إنها ملامح مجتمع يعرف قيمة المكان الذي يعيش فيه.ويترجم انتماؤه لوطنه في سلوك حضارى ايجابي.
ومهما بلغت كفاءة أي منظومة تنفيذية، فإنها لن تستطيع وحدها أن تصنع بيئة مستدامة إذا لم يساندها سلوك مجتمعي واعٍ.
والمسؤولية لا تقع على طرف واحد،
المسؤول التنفيذي عليه أن يضع الرؤية، وينسق الجهود، ويتابع التنفيذ، ويعمل على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
والقطاع الخاص عليه دور يتجاوز النشاط الاقتصادي إلى المسؤولية المجتمعية والشراكة في التنمية؛ من خلال دعم المبادرات البيئية، والمساهمة في التشجير والتجميل، وتشجيع إعادة التدوير، والمشاركة في بناء مجتمع أكثر وعيًا واستدامة.
والمواطن هو شريك أساسي بسلوكه الإيجابي الحضاري وحين تتكامل هذه الأدوار… تصبح التنمية مشروعًا مجتمعيًا حقيقيًا، لا مسؤولية جهة واحدة.
وشاطئ العريش… جزء من الحكاية، ولا يمكن أن نتحدث عن مستقبل بيئي أفضل لشمال سيناء دون أن يكون شاطئ العريش حاضرًا في هذه الرؤية.
فالشاطئ ليس مجرد مساحة مفتوحة؛ إنه جزء من هوية المدينة، وواجهة طبيعية لها، وموارد تستحق الحماية والرعاية.
وطموحنا يجب ألا يتوقف عند رفع المخلفات، وإنما يمتد إلى تحسين المظهر العام، والتجميل، والتشجير حيثما تسمح طبيعة الموقع، والحفاظ على البيئة الساحلية، ورفع وعي رواد الشاطئ بأهمية الحفاظ عليه.
نريد شاطئًا يشعر المواطن أنه ملك له، فيحافظ عليه كما يحافظ على بيته.
نريد أن نستعيد جمال المكان بكم ولكم … وأن نحافظ عليه.
والتشجير والتجميل ليسا رفاهية فكل شجرة تُزرع وتُرعى، وكل مساحة خضراء نحافظ عليها، وكل موقع عام نرتقي بمظهره، هو استثمار في جودة الحياة.
نحن لا نبحث عن صورة جميلة ليوم واحد، نبحث عن بيئة يصبح جمالها جزءًا من الحياة اليومية.
وهذا يتطلب استمرارية، وتكاملًا، ومشاركة حقيقية من جميع الأطراف.
دعم الدول .. ومسؤولية الأفراد
ويأتي هذا التوجه في إطار ما توليه القيادة السياسية من اهتمام بملفات تحسين جودة الحياة والارتقاء بالمحافظات، وما تبذله الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة من جهود فعالة لدعم منظومة العمل المحلي وتحسين مستوى الخدمات، إلى جانب جهود اللواء خالد مجاور في دفع ملفات التنمية وتحسين الخدمات بمحافظة شمال سيناء.
وهذه الجهود تفتح الباب أمام مرحلة أكثر تنظيمًا وتكاملًا، لكن التحدي الحقيقي يظل في تحويل الخطط والدعم إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن على الأرض.
فالنجاح الحقيقي لأي منظومة لا يُقاس بما يُعلن عنها ،وإنما بما يراه المواطن في شارعه، وفي ميدانه، وعلى شاطئه، وفي تفاصيل حياته اليومية.
نحن لا نبحث عن تجميل مؤقت.. بل عن تغيير مستدام ، قد تكون أمامنا تحديات، لكن التحديات ليست نهاية الطريق.
هي فرصة لأن نعيد ترتيب الأولويات، ونرفع كفاءة المنظومة، ونوسع دائرة المشاركة، ونبني وعيًا بيئيًا حقيقيًا.
نبدأ بالمخلفات..ونمتد إلى إعادة الاستخدام والتدوير…ونرشد استهلاك مواردنا…ونحمي شاطئنا…ونزيد مساحاتنا الخضراء…ونرتقي بالمشهد الحضاري…ونبني سلوكًا بيئيًا يستمر بعد انتهاء أي حملة أو مبادرة.
هذه رؤيتى ،وهذه هي الصورة التي أطمح إليها.. عريش أنظف ..وشاطئ أجمل…ومواطن أكثر وعيًا…ومجتمع أكثر مسؤولية…وشراكة أقوى بين الدولة والمواطن والقطاع الخاص.
أنا لا أبحث عن مدينة تبدو جميلة في صورة عابرة ،بل عن بيئة يصبح جمالها جزءًا من واقعها اليومي.
قد نختلف في التفاصيل، وقد تتعدد التحديات، لكننا نتفق على شيء واحد:
إن شمال سيناء تستحق الأفضل..وما نطمح إليه اليوم ليس مجرد تحسين المشهد ،بل صناعة مستقبل بيئي أكثر وعيًا، وأكثر جمالًا، وأكثر استدامة.
فحين نحمي بيئتنا، نحن في الحقيقة نحمي جودة حياتنا، ونحفظ مواردنا، ونصون حق أبنائنا في مستقبل أفضل.
والعريش التي نحبها لا يكفي أن نفتخر بها.علينا أن نرتقي بها، وهذا المستقبل يستحق أن نبدأ من أجله الآن.













