بقلم: شجون حسن
يا ليل، يا صديقي الذي لا يسألني لماذا أطيل الجلوس إلى جواره، ولا يضجر من حديثي حين يطول… جئتُ الليلة لأحكي لك، فقد أرهقني هذا الكم من الضجيج الذي يملأ الخارج، وهذا الخناق الذي يضيق به الصدر، وهذه النفوس التي صار بعضها أثقل من الليل نفسه. جئتُ أبحث في سكونك عن شيء يشبهني، عن ركنٍ هادئ لا تمتد إليه أيدي القسوة، ولا تعكره أصوات الذين أتعبونا، حتى صرنا نشتاق إلى الوحدة كما يشتاق العطشان إلى قطرة ماء. يا نجومي، يا رفاق السهر القديم، أما زلتنَّ تذكرنني؟ كنتُ أرفع إليكنَّ عينيَّ، فأشعر أن السماء كلها تعرف أسراري. كنتنَّ لي صحبة لا تخون، ورفقة لا تسألني ماذا أملك، ولا ماذا أعطي، ولا لماذا تغيّرت. كنتُ أجد في لمعانكنَّ شيئًا من الطمأنينة، وفي تباعدكنَّ حكمةً لا أفهمها إلا حين يطول بي الليل. وأنت، أيها الشجر الواقف في العتمة، ماذا رأيت من البشر حتى صرت صامتًا كل هذا الصمت؟ أراك ثابتًا في مكانك، تهتز أغصانك حين تمر نسمة، كأنك تقول لي: لا شيء يدوم؛ لا الوجع، ولا الفرح، ولا الذين ظننا أنهم سيبقون معنا إلى آخر الطريق. وحشتني لَمّة الصحاب… وحشتني الخلوة التي كان فيها للكلام طعم، وللضحكة روح، وللقلوب قربٌ لا تفسده المواعيد ولا الحسابات. وحشتني السهرات الأدبية، والوجوه التي كانت تجمعها الكلمة الجميلة، والحديث الذي يمتد حتى ينسى الليل أنه ليل. وحشتني تلك الأيام التي كان فيها للروح متسعٌ للفرح، وللقلب مكانٌ يركن إليه بعد عناء النهار. يا ليل، أريد أن أحكي لك عن ليالٍ كانت أغنى من العمر كله… عن سهرات لم تكن مجرد ساعات تمر، بل كانت حياةً كاملة نعيشها ونحن لا ندري أنها ستصبح يومًا ذكرى نتحسسها بأطراف القلب. أريد أن أحكي لك عن الأدب حين كان يجمعنا، وعن الكلمات حين كانت تفتح بيننا نوافذ من نور، وعن ضحكات الأصدقاء وهي تختلط برائحة الليل، فتبدو الدنيا يومها أقل قسوة وأكثر رحمة. وأريد أن أحكي لك عن كوبري قصر النيل… آه يا ليل، هل تذكره؟ هل تذكر تلك الليالي التي كان النيل فيها يبدو كأنه صفحة من فضة، وأضواء القاهرة ترتعش فوق مائه، والهواء يمر على الوجوه فيغسل عنها تعب الأيام؟ كم مرة مشيت هناك وقلبي أخف من الريشة، لا أحمل من الدنيا إلا فرحة اللحظة، ولا أعرف أنني سأعود يومًا أفتش في الذاكرة عن تلك الخطوات القديمة. كان كوبري قصر النيل يومها أكثر من جسرٍ يعبر بنا من ضفة إلى ضفة؛ كان جسرًا بين العمرين… بين أيام عشناها ببساطة، وأيام جاءت بعد ذلك محمّلة بما لم نتمنَّ حمله. يا ليل، لا تسألني لماذا أشتاق. بعض الشوق لا يحتاج إلى سبب، وبعض الذكريات لا تستأذن حين تعود. إنها تأتي فجأة، فتجلس إلى جوار القلب، وتفتح دفاترها القديمة، وتقول لنا: هنا كنت سعيدًا… وهنا كان لك أصحاب… وهنا كانت لك ضحكة لم تعد تعرف طريقها إليك. فيا نجومي، ابقين الليلة معي. ويا شجري، دع أغصانك تهدهد هذا التعب. ويا نيل، إن مررتُ بك يومًا، فلا تسألني أين ذهبت تلك الأيام؛ فأنا أعرف أنها لم تذهب تمامًا… لقد اختبأت في مكان عميق من القلب، وكلما ضاق بي الحاضر، أخرجتها من مخبئها وجلست معها قليلًا. أما أنت يا ليل، فأنت وحدك تعرف كم اشتقت إلى زمنٍ كان فيه للصحبة دفء، وللخلوة معنى، وللكلمة مكان، وللضحكة قلب، وللقاهرة في الليل حكاية لا تنتهي. فدعني الليلة أحكي… ولا تقاطعني. فقد طال بي الصمت، واشتقت إلى صديقٍ يسمعني ولا يؤذيني














