بجرأة أدبية لافتة، وصوت ينبض بالانحياز التام لـ قضايا المرأة ومعاناتها النفسية والاجتماعية، أطل علينا الشاعر محمد حلمي حامد بديوانه الجديد “كحل وخلاخيل” الصادر حديثا.
يؤكد حامد في مقدمة عمله أنه “لم يشعر بالخجل عند الحديث عن المرأة ومتاعبها وحياتها”، مستنداً إلى تراث أدبي عريق يستلهم وعي الرواد وصوتهم الحاد في كشف العادات والتقاليد الضاغطة على روح وجسد الأنثى .

يضم الديوان قصائد تمثل قراءة سوسيولوجية ونفسية عميقة في تفاصيل شائكة وهامة؛ مثل الاغتراب الزوجي، والزواج التقليدي، وسرقة براءة الطفولة بالتحرش، وحرائق الجسد وخيانته .
الشاعر هنا لا يجمّل الواقع بل يعريه من خلال أصوات بطلاته؛ ففي قصيدة “لَمْ أَكُنْ غَيْرَ طِفْلَةْ”، يصف بشكل صادم عمق الألم الأسري والقيود التي تفرضها المجتمعات الشرقية الصارمة من خلال لغة القمع والخوف:
“أنا لم أكنْ غيرَ غصنٍ / تمتَّعَ بالحُسْنِ والخيلاءْ / رأيتُ أبي وسِكّينُهُ فوقَ لحمي / صباحَ.. مساءْ / رأيتُ أخي يحرسُ الوهمَ والكبرياءْ… أمشّطُ شعري، وأبكي لأنّي جميلةْ“.
وفي قصيدة شائكة أخرى تحمل عنوان “تُفَتِّشُ عَنْ أَصابِعِها”، يسلط الضوء على مأساة “الخرس الزوجي” وجفاء المشاعر خلف جدران الزواج التقليدي باهظ الثمن ، لتقول البطلة بمرارة:
“أنا في بردِ غرفتنا، / أُكلّمُ أخرسَ الجدرانْ / أرى زوجي بلا عينينِ / مرفوعًا على نُصُبٍ / منَ الألقابِ كالسلطانْ… وزوجى بات يحسبُني / أثاثًا جاء للفقراءْ” .
وفي القصيدة “من ضفيرة شعرى” يأخذنا إلى قمة التسليم المأساوي والتضحية في العلاقات خالية الدفء والتقدير ويركز على مفهوم الفقر والقمع الاجتماعي حيث تتواطأ الأسرة لبيع الطفولة:
“وتسحبني من ضفيرةِ شعرى / كشاةٍ تُساقُ بغير تعب / تقيس جمالى بسعرِ المواشي / تفتّش كالسجنِ كلَّ فراشى… أباحت صباىَ.. بسوق الضِّباعْ“.
يقدم الشاعر في “كحل وخلاخيل” وثيقة إنسانية تضج بالألم والمقاومة، متجاوزاً حدود الوصف الجمالي التقليدي للأنثى ليكون صوتاً لمن لا صوت لهن، وباحثاً بجرأة وإصرار عن بساطة العيش ورغيف الأمان الدافئ الذي تتمناه كل امرأة مضطهدة مطحونة بقيود وعادات بالية .














