»» قراءة نفسية وتربوية في واقع التعليم المصري
بقلم: د.مجدي حمزة (الخبير التربوي)
هل حقا يكره أبناؤنا المدرسة فعلًا؟ أم أنهم يكرهون تجربة مدرسية جعلتهم يشعرون أن المدرسة مكان للضغط والخوف وأحياناً الرعب والدرجات أكثر من كونها مكانًا آمنا للتعليم واكتشاف مواهبهم وقدراتهم!!.
ونستكمل ما بدأناه في الحلقة الثانية عن أسباب كراهية التلاميذ والطلاب للمدرسة..
ثامناً .. الدروس الخصوصية عندما تصبح هي المدرسة الحقيقية
من أخطر التحولات التي يمكن أن تحدث في الوعي التعليمي أن يقتنع الطالب بأن:
المدرسة ليست مهمة، المهم “الدرس”، عندما يحدث ذلك، تفقد المدرسة وظيفتها الأساسية.في التعليم
ولا ينبغي تحميل المعلم وحده مسؤولية هذه الظاهرة؛ فهي نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية وتعليمية.
لكن النتيجة النفسية على الطلاب واضحة: إذا أصبح المكان الذي يفهم فيه الدروس خارج المدرسة، فسوف يبدأ في النظر إلى المدرسة باعتبارها مكانًا للحضور والغياب والهروب أحياناً والامتحانات فقط. لاغير .
تاسعاً: غياب الأنشطة
المدرسة التي لا تحتوي إلا على الكتاب والسبورة والامتحان قد تصبح مكانًا جافًا بالنسبة إلى الطفل ، فالطفل يحتاج إلى الرياضة والفن والموسيقى والمسرح والمسابقات والرحلات والعمل الجماعي والمبادرات. والتفاعل مع الآخرين
هذه الأنشطة ليست «ترفًا»، إنها وسائل تربوية تساعد الطالب على اكتشاف ذاته.
قد يكون الطالب ضعيفًا في الرياضيات، لكنه ممتاز في المسرح. والثقافة مثلاً
وقد يكون متوسطًا في اللغة، لكنه قائد رائع لفريق رياضي.
وقد لا يظهر تفوقه في الامتحان، لكنه يمتلك قدرة مذهلة على الإبداع.
إذا لم تمنحه المدرسة فرصة لاكتشاف هذه القدرات والمواهب، فمن الطبيعي أن يشعر أنها لا تمثله.بل يجد نفسه غريباً فيها.
عاشراً: المقارنة المستمرة
من أكثر الجمل إيذاءً للطفل:
«شوف زميلك.»
«فلان أشطر منك.»
«أخوك أحسن منك.»
«أنت ليه مش زي فلان؟»
المقارنة لا تصنع دائمًا التفوق والنجاح بل أحيانًا تصنع الغيرة والعداء وفقدان الثقة بالنفس.
الطالب يحتاج أن ينافس نسخته السابقة من نفسه، لا أن يعيش طوال الوقت في ظل زميل آخر.
ـ السبب الحادي عشر : عدم وجود المدرس صاحب العين في اكتشاف المواهب عند التلاميذ والطلاب
وأحيانًا كثيرة نقول كآباء ومعلمين
«الطلاب اتغيروا. معدوش زي زمان
ونسينا نقول لبعض إن المجتمع اتغير، والأسرة اتغيرت، والتكنولوجيا اتغيرت، وطريقة الحصول على المعلومات اتغيرت،وطرق التربية اتغيرت وسوق العمل اتغير،والقيم الأخلاقية والإنسانية اتغيرت وعلاقتنا ببعضنا اتغيرت دا حتي علاقتنا بربنا اختلفت والدنيا كلها اتغيرت في كل حاجة. مش عاوزين الطلاب والتلاميذ يتغيروا .
لا يمكن أن نطالب طفلًا يعيش في القرن الحادي والعشرين بأن يتعلم دائمًا بأدوات القرن.الماضي
ماذا نحتاج إذن؟.
بالتأكيد نحن لا نحتاج إلى مدرسة دلع وطبطبة ولا نحتاج إلى مدرسة بلا قواعد. ونظام ولا نحتاج إلى إلغاء الامتحانات.ولا نحتاج إلى تحويل المعلم إلي اضحوكة بلا هيبة وقيمة .
بالتأكيد نحن نحتاج إلى مدرسة تجمع بين الحزم والرحمة، وبين الانضباط والاحترام، وبين المعرفة والتعليم والحياة.نحتاج إلى معلم ذو هيبة يستطيع أن يقول للطالب:أنا مختلف مع تصرفك و سلوكك لكني لا أرفضك أنت كإنسان يفكر ذو قيمة ونحتاج إلى إدارة مدرسية تستطيع أن تعاقب علي الخطأ دون أن تهين الطلاب ونحتاج إلى اب يذهب إلى المدرسة ليسأل المعلمين عن أخلاق وسلوك ابنه قبل السؤال عن الدرجات والشهادة و نحتاج اب يتابع و يتعاون مع المدرسة والمدرسين للاصلاح ونحتاج إلى أسرة تسأل أبناءها:كيف كان يومك في المدرسة؟.
قبل أن تسألهم:جبت كام في الشهادة؟
ونحتاج إلى مدرسة تسأل الطالب:ما الذي يمكن أن نجعله أفضل؟.
لا أن تكتفي بسؤاله:لماذا أنت مقصر؟.
المدرسة التي نريدها المدرسة الناجحة ليست المدرسة التي يخاف طلابها من الإدارة. وليست المدرسة التي يحصل طلابها على أعلى الدرجات فقط.المدرسة الناجحة هي التي يدخلها الطالب وهو يشعر بالأمان والحب والولاء ويتعلم فيها دون أن يفقد كرامته، ويخطئ دون أن يخاف من السخرية والعقاب ويسأل دون أن يشعر أن سؤاله غباء، وينجح فيجد من يفرح به، ويفشل فيجد من يساعده على النهوض.مرات ومرات .
نحن لا نريد أن نجعل الطالب يحب المدرسة بالترفيه فقط، بل نريد أن نجعله يحبها لأنه يجد فيها معنى. الحياة الحقيقية.
فإذا فهم الطالب لماذا يتعلم، وشعر أن المعلم يحترمه، وأن زملاءه لا يؤذونه، وأن صوته مسموع، وأن لديه فرصة للنجاح، وأن المدرسة تهتم بشخصيته وليس بدرجاته فقط، فسوف تتغير علاقته بالتعليم.
وأخيرًا…
ربما السؤال الحقيقي ليس:لماذا يكره الطلاب المدرسة؟
بل:ماذا فعلنا نحن حتى أصبحت المدرسة في نظر بعض الطلاب والتلاميذ مكانًا لا يريدون الذهاب إليه؟
هذا السؤال مؤلم، لكنه ضروري.
لأن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط بتغيير كتاب أو جدول أو امتحان.
إصلاح التعليم يبدأ من الإنسان.و من المعلم ومن طفل يشعر أنه محبوب ومن معلم يشعر أنه محترم ومؤثر وله قيمة وهيبة ومن أسرة تفهم أبناءها ومن إدارة مدرسية تؤمن أن الانضباط لا يعني الإهانة.
ومن مدرسة تدرك أن مهمتها ليست فقط أن تملأ عقل الطالب بالمعلومات، وإنما أن تساعده على بناء شخصية قادرة على التفكير والاختيار وتحمل المسؤولية.والتفكير الناقد والتعبير عن أفكاره
فالطالب الذي يحب مدرسته لا يتعلم فقط بشكل أفضل، وإنما يتعلم وهو يشعر أن له مكانًا في هذا البلد .
أما إذا جعلنا المدرسة مكانًا للخوف والضغط والمقارنة والإهانة، فلا ينبغي أن نندهش عندما يحاول الطالب الهروب منها.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه جميعًا اليوم ليس: كيف نجبر أبناءنا على الذهاب إلى المدرسة برغبتهم؟.














