كتبت حنان عبدالقادر
قالت الدكتورة جيهان ياسين استشارية النساء والولادة والواعظة المعتمدة بوزارة الأوقاف توجيهاتُ السيد الرئيس بسرعة حسم قضايا النفقة ليست مجرد توجيهاتٍ لتسريع إجراءات، وإنما هي توجيهٌ يحمل بُعدًا إنسانيًا واجتماعيًا عميقًا؛ لأن وراء كل قضية نفقة أمًّا تحمل همَّ أبنائها، وبيتًا ينتظر الأمان، وأطفالًا لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الخلاف بين والديهما.
حين نتحدث عن سرعة حل مشكلات النفقة، فنحن لا نتحدث عن إجراء قانوني فحسب، ولا عن أرقام تُدفع في نهاية كل شهر، وإنما نتحدث عن أمان امرأة، وطمأنينة أطفال، واستقرار أسرة.
فالمرأة التي انفصلت عن زوجها قد تبدأ مرحلة جديدة من حياتها وهي تحمل فوق قلبها همًّا كبيرًا:
كيف ستدبّر شؤون أبنائها؟
كيف ستوفر لهم الطعام والكساء والتعليم والعلاج؟
وماذا تفعل إذا امتنع الأب أو ماطل أو جعل حق أبنائه معلقًا بين الانتظار والإجراءات؟
إنها قد لا تُظهر خوفها، وقد تبدو قوية أمام الناس، لكن في داخلها أسئلة لا تهدأ:
هل يكفيني ما أملك؟ وهل أستطيع أن أحمي أبنائي من الحاجة؟ وماذا لو حدث طارئ ولم أجد ما أنفق به عليهم؟
وهنا ندرك أن النفقة ليست مجرد مال، بل هي في معناها الإنساني أمانٌ نفسي.
والشريعة حين أوجبت النفقة، لم تجعلها منّة من الأب على أبنائه، ولا فضلًا يتكرم به على أمهم، وإنما جعلتها مسؤولية وأمانة وحقًّا.
قال تعالى:
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فالمشكلة ليست فقط في أن تتأخر النفقة، وإنما في الأثر الذي يتركه هذا التأخير في نفس أمٍّ أصبحت تحمل مسؤولية بيت وأبناء، وهي لا تعرف متى يصلها حقهم.
وقد تكون أصعب لحظة على هذه المرأة ليست لحظة الطلاق نفسها، وإنما اللحظة التي تشعر فيها أنها وحدها في مواجهة أعباء الحياة، وأن حق أبنائها قد أصبح موضع مساومة أو مماطلة.
ومن هنا فإن تسريع إجراءات النفقة هو في حقيقته رفعٌ لجزء من هذا القلق عن قلبها، وإعطاؤها فرصة لتعيش وتعمل وتربي أبناءها وهي تشعر أن هناك منظومة تحمي حقها وحق أولادها.
فالعدل لا يكتمل بمجرد أن نعرف الحق، وإنما يكتمل حين يصل الحق إلى صاحبه في الوقت الذي يحتاجه فيه.
وما أجمل أن يفهم الأب أن إنفاقه على أبنائه ليس خسارة بعد الطلاق، وليس انتصارًا لطليقته أو هزيمة لها؛
إنه حق لأولاده، وأمانة بين يدي الله.
فربما كان المال الذي يحاول الإنسان أن يمنعه عن أبنائه، هو نفسه المال الذي يُسأل عنه يوم يقف بين يدي الله.
ولذلك فإن حماية المرأة من القلق المالي بعد الطلاق ليست حماية لامرأة وحدها؛
إنها حماية لطفل من الخوف، ولأم من الانكسار، ولأسرة من أن يتحول الطلاق إلى جرح ممتد في حياة أبنائها.
فالمرأة حين تطالب بالنفقة لا تطلب رفاهية… إنها تطلب أن تستطيع أن تُكمل رسالتها في تربية أبنائها بكرامة وأمان.
وكل إجراء يُسرّع وصول الحق إلى مستحقه، هو خطوة نحو أسرة أكثر استقرارًا، وامرأة أكثر طمأنينة، وأبناء أقل خوفًا من الغد.
فالعدل حين يصل في وقته… لا يحفظ المال فقط، بل قد ينقذ قلبًا من القلق، وبيتًا من الانهيار، وطفلًا من أن يحمل فوق عمره هموم الكبار.
اللهم اجعل العدلَ سكينةً في القلوب، وأمانًا للأسر، وحفظًا للأبناء من كل خوفٍ واحتياج.














