بقلم اللواء: د. رضا فرحات (أستاذ العلوم السياسية)
»» من يملك مفتاح الوعي؟
لم تعد الشاشة مجرد نافذة نطل منها على العالم، وإنما أصبحت في أحيان كثيرة هي العالم الذي نراه ونتعامل معه ونبني من خلاله انطباعاتنا ومواقفنا، في الماضي كان الإنسان يذهب إلى الخبر، أما اليوم فالخبر هو الذي يأتي إليه، ويظهر أمامه في اللحظة التي تفتح فيها هاتفك، وسط عشرات الرسائل والصور ومقاطع الفيديو والتعليقات قد تبدأ يومك بمتابعة خبر مهم، ثم تنتقل إلى قصة شخصية، ثم مقطع ساخر، ثم نقاش حاد، وبعد دقائق تجد نفسك تتابع قضية لم تكن تعرف عنها شيئا قبل أن تظهر أمامك، المشكلة ليست في هذا التنوع، فهو أحد أهم مزايا العصر الرقمي، وإنما في السؤال الذي يجب أن نطرحه بهدوء: من الذي يقرر لنا ما الذي يستحق أن نراه، وما الذي يستحق أن نتوقف عنده، وما الذي يمر أمام أعيننا دون أن نلاحظه؟
الخوارزمية لا تعرفنا بالطريقة التي يعرفنا بها الأصدقاء، لكنها تعرف سلوكنا، تعرف ما نتوقف أمامه، وما نعيد مشاهدته، وما نشاركه، وما نتجاهله، والموضوعات التي تجعلنا نبقى وقتا أطول أمام الشاشة، وبناء على هذه التفاصيل الصغيرة تبدأ في رسم صورة عنا، ثم تستخدمها لتقديم المزيد مما تعتقد أننا نريده، قد يبدو الأمر مريحا في البداية؛ لأن المستخدم يحصل على محتوى يناسب اهتماماته، لكن المسألة تحمل وجها آخر يستحق التأمل، عندما تقدم لنا الشاشة باستمرار ما يشبه ما شاهدناه بالأمس، فإنها قد تجعل عالمنا أضيق دون أن نشعر، وتدفعنا إلى رؤية جانب واحد من الحقيقة، بينما تظل جوانب أخرى خارج دائرة اهتمامنا وهكذا لا تعود المشكلة في نقص المعلومات، وإنما في الطريقة التي يتم بها ترتيبها أمامنا.
الأمر يشبه أن تدخل مكتبة ضخمة لا تنتهي كتبها، لكن شخصا ما يختار لك كل يوم عشرة كتب فقط، بناء على الكتب التي أعجبتك بالأمس، وبمرور الوقت قد تكتشف أنك تقرأ كثيرا، لكنك لا تعرف إلا جانبا واحدا من المعرفة وهذا تقريبا ما يحدث في المجال الرقمي نحن نعيش وسط وفرة هائلة من المعلومات، ومع ذلك يمكن أن تتكون لدى الإنسان صورة محدودة للغاية عن الواقع، لأنه لا يرى بالضرورة كل ما هو موجود، وإنما يرى ما نجح في جذب انتباهه وما توقعت الخوارزمية أنه سيجذب انتباهه مرة أخرى وهنا يصبح الانتباه نفسه سلعة، وتصبح الثواني التي يقضيها الإنسان أمام الشاشة ذات قيمة اقتصادية كبيرة.
أخطر نتائج هذا التحول أن كثرة الظهور يمكن أن تمنح بعض القضايا والأشخاص حجما أكبر من حجمهم الحقيقي، ما يتكرر أمام العين يبدو مع الوقت أكثر أهمية، حتى لو لم يكن كذلك قد يصبح شخص ما معروفا لأن مقاطعه تثير الجدل، لا لأنه صاحب علم أو تجربة، وقد تتحول واقعة عابرة إلى حديث الناس لأنها صممت بطريقة تجعلها قابلة للانتشار، بينما تظل قضية أكثر تأثيرا في حياة المواطنين بعيدة عن دائرة الضوء لأنها لا تقدم الإثارة نفسها وهنا يحدث الخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والتأثير، وبين القدرة على جذب الانتباه والقدرة على تقديم شيء يستحق هذا الانتباه.
هذا التحول يترك أثرا واضحا على مفهوم النجاح لدى الأجيال الجديدة، الشاب الذي يرى أمامه كل يوم نماذج صنعت شهرتها من خلال الهاتف قد يظن أن الطريق إلى النجاح أصبح أقصر مما هو عليه في الحقيقة يرى ملايين المتابعين، والإعلانات، والسيارات، والسفر، والمظاهر، لكنه لا يرى السنوات التي سبقت الصورة، ولا لحظات الفشل، ولا محاولات التعلم، ولا الجهد الذي يبذله كثير من الناجحين بعيدا عن الكاميرا، الشاشة بطبيعتها تحب النتيجة، ولا تهتم كثيرا بالطريق ولذلك فإنها قد تقدم النجاح باعتباره لحظة، بينما النجاح الحقيقي في معظم الأحيان رحلة طويلة من العمل والتجربة والصبر.
لا يعني ذلك أن صناعة المحتوى أمر سلبي، على العكس، فقد أتاحت المنصات الرقمية مساحات واسعة لمواهب حقيقية، وفتحت أبوابا أمام أشخاص لم تكن لديهم في الماضي فرصة الوصول إلى الجمهور، هناك شباب يقدمون محتوى تعليميا وثقافيا وفنيا ورياضيا متميزا، ويستخدمون الأدوات الرقمية بصورة مسؤولة ومؤثرة لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار الاختيار الوحيد هو عدد المتابعين، وعندما نتعامل مع الشهرة باعتبارها دليلا على الكفاءة، فالمليون متابع لا يجعل صاحبه خبيرا في الاقتصاد، ولا الطبيب، ولا رجل القانون، ولا المحلل السياسي، الشهرة تقول إن الشخص نجح في الوصول إلى الناس، لكنها لا تقول بالضرورة إن ما يقوله صحيح أو مفيد.
نحن لا نحتاج إلى جيل يخاف من الهاتف، وإنما إلى جيل يعرف كيف يستخدمه نحتاج إلى طفل يتعلم منذ الصغر أن المعلومة ليست صحيحة لمجرد أنها ظهرت أمامه، وأن كثرة التعليقات لا تعني أن الرأي صحيح، وأن الشخص المشهور ليس بالضرورة قدوة، وأن الصورة الجميلة لا تعكس دائما الحقيقة الكاملة، هذه ليست رفاهية تربوية، وإنما جزء من الأمن الفكري والاجتماعي في زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الإنسان أسرع من قدرته على التحقق منها، وكلما زادت سرعة انتشار المحتوى، زادت الحاجة إلى عقل يستطيع التمهل قبل التصديق والمشاركة والحكم.
إن المجتمع يحتاج إلى استعادة قيمة الأشياء التي لا تصرخ من أجل لفت الانتباه، العلم لا يصنع ضجيجا دائما، والعمل الجاد لا يقدم نفسه في مقطع مدته ثلاثون ثانية، والخبرة لا تأتي في ليلة، والإنجاز الحقيقي قد يحتاج سنوات حتى تظهر نتائجه لذلك فإن بناء وعي متوازن يعني أن نعيد الاعتبار لهذه القيم، وأن نعلم أبناءنا أن ما يستحق الاهتمام ليس بالضرورة ما يطلب اهتمامنا بأعلى صوت، هناك فرق بين أن تكون حاضرا على الشاشة وأن تكون مؤثرا في الحياة، وبين أن يعرفك الناس وأن يعرفوا ماذا قدمت.
المشكلة ليست في التكنولوجيا، ولا في مواقع التواصل، ولا حتى في الخوارزميات باعتبارها أدوات تقنية، وإنما في أن نتنازل نحن عن حقنا في الاختيار، الشاشة تستطيع أن تقترح، لكنها لا ينبغي أن تقرر، تستطيع أن تلفت انتباهنا، لكنها لا يجب أن تحدد لنا وحدها ما الذي يستحق هذا الانتباه وفي مجتمع يريد أن يبني مستقبله على المعرفة والوعي، تصبح القدرة على الاختيار مسؤولية عامة، لأن المعركة لم تعد فقط على المعلومة، وإنما على ترتيب الأولويات داخل عقول الناس وما نراه كل يوم يترك أثرا، وما نكرره يتحول إلى عادة، وما نمنحه اهتمامنا يتحول في النهاية إلى جزء من صورتنا عن العالم، ولذلك ربما يكون السؤال الأهم في هذا العصر ليس: ماذا تقول لنا الشاشة؟ وإنما: ماذا نسمح نحن للشاشة بأن تقول لنا؟.














