بقلم: د.رضا عادل فاضل
(باحثة في الشأن الإسرائيلي المعاصر)
من مخيمات اللجوء إلى قاعة “الكونغرس” الأمريكي مسافة تبدو مستحيلة على الورق، لكن عائشة وهاب قطعتها بالفعل حين أعلن فوزها بمقعد الدائرة الرابعة عشرة في كاليفورنيا لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني تدخل تاريخ التشريع الفيدرالي، وهي اللحظة التي بدت للوهلة الأولى مجرد خبر انتخابي محلي عن مقعد شاغر تركه النائب المتورط في فضيحة أخلاقية إريك سوالويل، لكنها سرعان ما تحولت إلى حدث تتقاطع فيه خيوط الهوية والسياسة والدبلوماسية غير المباشرة بين واشنطن وكابول.
الدلالة الإقليمية لهذا الفوز تبدو أعمق من مجرد رمزية عابرة، فهو يأتي في لحظة يعيش فيها الأفغان داخل بلدهم تراجعًا حادًا في حقوق المرأة تحت حكم طالبان الذي يحرم ملايين الفتيات من التعليم بعد الصف السادس، وهو ما دفع الرئيس الأفغاني الأسبق حامد كرزاي للتعليق على الفوز ووصفه بأنه دليل على قدرات المرأة الأفغانية حين تتاح لها الفرصة، فالحدث تحول بسرعة من شأن انتخابي محلي إلى رمز يستدعيه السياسيون الأفغان والمعلقون في الشتات لإعادة صياغة صورة المرأة الأفغانية أمام الرأي العام الدولي بعيدًا عن صورة الضحية التي رسختها سنوات الحرب والحكم الطالباني.
أما على المستوى الأمريكي الداخلي فالفوز يندرج ضمن موجة أوسع تشمل عبدالرحمن السيد الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، وكلير فالديز التي فازت بالانتخابات التمهيدية لمقعد في نيويورك، وهذا التزامن يعكس صعود جناح تقدمي داخل الحزب الديمقراطي يراهن على تحالف الأقليات العرقية والدينية والشباب في المدن الكبرى بدل الوسطية التقليدية، لكن هذا الصعود نفسه يغذي ردود فعل معاكسة من التيار المحافظ الذي صور الفوز عبر منابر مقربة من ترامب مثل بريتبارت بوصفه انزياحًا خطيرًا لليسار المتطرف، بينما أشارت وهاب نفسها في خطاب فوزها إلى حملات دعائية حاولت التشكيك في “أمريكيتها” بسبب أصلها الأفغاني وديانتها الإسلامية.
وما يستحق الانتباه أن هامش الفوز كان ضيقًا نسبيًا مقارنة بالانتخابات التمهيدية، إذ تراجعت الفجوة بينها وبين منافستها ميليسا هيرنانديز من أكثر من عشرين نقطة إلى نحو ست نقاط فقط، وهذا التراجع يفتح الباب أمام سيناريو أول محتمل وهو أن يكون هذا الفوز مؤقتًا وهشًا، فالمقعد سيعاد التنافس عليه في الانتخابات العامة بنوفمبر بمشاركة أوسع للناخبين الجمهوريين الذين يشكلون ربع الدائرة تقريبًا، وهناك سيناريو ثانٍ يتعلق بتوظيف الحدث إعلاميًا من الطرفين، إذ يستخدمه التقدميون كدليل على قوة التنوع وقدرته على حشد الناخبين، بينما يستخدمه خصومهم كدليل على انزياح الحزب نحو اليسار بما قد ينفر الناخبين المعتدلين قبل انتخابات التجديد النصفي، أما السيناريو الثالث فهو الأكثر رمزية ويتعلق بالبعد الإقليمي، إذ قد يتحول حضور وهاب في الكونغرس إلى قناة ضغط سياسي بشأن ملفات الشتات الأفغاني وسياسات اللجوء والعلاقة مع حكومة طالبان بحكم موقعها التمثيلي وخلفيتها الشخصية.
وأرى إن الحدث يحمل طبقتين متداخلتين، طبقة رمزية إنسانية تتعلق بصورة اللاجئة التي تصل إلى قلب السلطة التشريعية الأمريكية، وطبقة سياسية صراعية تتعلق بمن يملك حق تعريف الهوية الأمريكية في زمن الاستقطاب، وما سيحدد الاتجاه النهائي لهذا الفوز ليس لحظة الإعلان عن النتيجة بل معركة نوفمبر المقبلة التي ستكشف إن كان هذا الإنجاز بداية اتجاه راسخ أم مجرد لحظة عابرة في دائرة زرقاء متأرجحة.












