# رحلة عبر التاريخ والحاضر والمستقبل
بقلم : د.شريف فاروق (خبير العلاقات الدولية والأمن الإقليمى والدولى)
منذ نشأة البشرية تعددت أدوات الصراع وتتطورت نظم التسليح من الهراوة إلى الترسانات النووية إلى الخوارزميات الرقمية الحديثة ، الا أن مفهوم “الردع” ظل ثابتاً لا يتغير ، فالردع في أصوله ليس وليد النظريات العسكرية المعاصرة أو الأطر القانونية الدولية ، بل هو غريزة بقاء فطرية تولدت لحماية “المجال الحيوى” وتناقلها الإنسان كجزء من آليات التكيف المتجذرة في الطبيعة .
وفى فجر التاريخ ، حيث لم تكن هناك “دولة” أو “قانون” أو “ميزان قوى” ، كان قابيل وهابيل أخوين في بيئة بكر ، حيث لم يكن لدى هابيل ما يردع به أخاه “مادياً” ، لم تكن هناك أسوار ولا أسلحة متفوقة ، ومع غياب السلطة العليا الدنيوية والتى تمارس الردع بالعقاب الفوري ، أصبح قابيل يشعر بـ “الأمن من العقوبة” ، مما دفعه للاستمرار في غيه.
حاول هابيل ممارسة أرقى أنواع الردع وهو “الردع الأخلاقي ” حيث تمثل موقف هابيل بالقرأن الكريم فى قوله تعالى (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) صدق الله العظيم ، وهنا نرى محاولة هابيل لاستدعاء “الردع الإلهي” (الخوف من الله) في قلب أخيه ، لقد حاول أن يجعل قابيل يرتدع بـ “تكلفة الذنب” بدلاً من “تكلفة الضـربة الجسدية” . الا أن فشل الردع الأخلاقي هنا يعود إلى “نفس” قابيل (الغريزة/الحسد) والتى كانت أقوى من (الخوف من العاقبة) .
ولتنتهي قصة قابيل وهابيل بنوع من الردع المتأخر فى قوله تعالى (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين) صدق الله العظيم ، هذا الندم هو ما أسس لـ “الردع الاجتماعي” ، فأصبح قتل النفس شنيعة تُعير بها الذرية ، وهذا النوع من الردع (الخوف من العار والندم) أصبح لاحقاً أداة هامة في تماسك القبائل العربية والمجتمعات القديمة ، ولذلك يمكن إستخلاص الدرس المستفاد من تلك القصة في تاريخ الردع ، فى أن البشـرية أدركت أن الأخلاق وحدها لا تمنع القوي من البطش بالضعيف ، ومن هنا بدأت رحلة الإنسان في اختراع “وسائل الردع الخارجية” مستنداً على (القانون) من خلال الردع بالعقاب الدنيوي ، (السلاح) من خلال الردع بالتوازن الجسدي ، (الدولة) من خلال الردع باحتكار القوة .
ومع الانتقال إلى العصر الحجري ، انتقل الردع من مجرد سلوك بيولوجي فردي قائم على الغريزة إلى مستوى تنظيمي وتكنولوجي. وتجلت هذه القفزة في تطوير “الهراوة” ؛ إذ لم تكن مجرد أداة خشبيّة للضرب ، بل مثلت أول سلاح ردع تكنولوجي يمنح صاحبه مدى أطول وقوة حاسمة ، وفرضت “الهراوة” مفاهيم استراتيجية ما زالت تحكم القوى العظمى اليوم مثل الردع بالامتلاك والمنع ، فالقبيلة التي تملك أدوات صيد وهجوم أكثر تطوراً تمنع الخصم من التفكير في الاقتراب أو الاعتداء ، لإدراكه المسبق لحجم الخسارة ، مع إثبات مصداقية استخدام القوة بقسوة منح تلك القبائل “سمعة ردعية” تحمي مواردها دون الحاجة لخوض القتال في كل مرة.
إن السعي نحو القوة وتوازن الردع ، كانا ولا يزالان المحركين الأساسيين لحفظ بقاء المجتمعات الإنسانية وعلى الرغم من أن أدوات الردع تبدلت عبر التاريخ من الهراوة والتحالفات القبلية إلى الصواريخ العابرة للقارات والذكاء الاصطناعي ، إلا أن المعادلة الذهنية واحدة ؛ السلام لا يحميه النوايا الحسنة والضمير المجرّد ، بل تصونه القوة والمصداقية الحاسمة ، وللحديث بقية.













