بقلم: د.هناء خليفة
(دكتوراه الإعلام الرقمي،جامعة المنصورة)
لم يعد المجال العام في العصر الرقمي مجرد مساحة يتبادل فيها الناس الآراء حول القضايا العامة، بل أصبح بيئة اتصالية معقدة تتداخل فيها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والجمهور والخوارزميات. وفي هذه البيئة، لم تعد القضية مرتبطة فقط بإتاحة الفرصة للجميع للتعبير، وإنما أيضًا بكيفية وصول هذا التعبير إلى الآخرين، وما الذي يحظى بالظهور والانتشار والاهتمام.
*حين تتسع المشاركة ويضيق الحوار* لقد وسعت المنصات الرقمية حدود المشاركة العامة بصورة غير مسبوقة؛ فأصبح الفرد قادرًا على إنتاج المحتوى والتعليق والمناقشة والمشاركة في تشكيل القضايا العامة، ولم تعد عملية إنتاج الرسائل حكرًا على المؤسسات الإعلامية. لكن اتساع المشاركة لم يؤدِ بالضرورة إلى مجال عام أكثر تماسكًا؛ فقد صاحبه تزايد في الاستقطاب، وتراجع في المساحات المشتركة، وظهور دوائر رقمية يتفاعل داخلها المستخدمون مع محتوى ومواقف متشابهة.
*الخوارزميات.. من ترتيب المحتوى إلى تشكيل الانتباه*
هنا تبرز الخوارزميات بوصفها مكوّنًا مؤثرًا في البيئة الجديدة للمجال العام. فهي لا تحدد بصورة مباشرة ما يفكر فيه الناس، لكنها تؤثر في البيئة المعلوماتية التي يتشكل داخلها هذا التفكير، من خلال ترتيب المحتوى وتخصيصه والتوصية به، وتحديد ما يحظى بالظهور وما يتراجع إلى هامش الانتباه.
وتزداد أهمية هذا الدور في بيئة تتنافس فيها الرسائل على وقت الجمهور وانتباهه؛ فالمحتوى المثير للانفعال والجدل قد يجد فرصًا أكبر للانتشار، بينما تواجه القضايا المعقدة والهادئة صعوبة في منافسته. وهكذا قد يتحول النقاش العام تدريجيًا من البحث في القضايا إلى سباق على جذب الانتباه.
*الاستقطاب.. المشكلة أكبر من الخوارزميات*
لكن اختزال الاستقطاب في الخوارزميات وحدها سيكون تبسيطًا مخلًا؛ فالانقسام له جذور اجتماعية وسياسية وثقافية وإعلامية سابقة، وقد تسهم البيئة الرقمية في تضخيم بعض هذه الاتجاهات وتسريع انتشارها.
ومن هنا، لا تكمن المشكلة في وجود الاختلاف ذاته، وإنما في تقلص المساحات التي تتيح للمختلفين التعرض للمواقف الأخرى والتفاعل معها، بما قد يحول التعدد من مصدر ثراء للمجال العام إلى عامل من عوامل تشظيه.
*المجال العام الرشيد.. الاختلاف في إطار الحوار*
من هنا تبرز الحاجة إلى تصور أكثر نضجًا للمجال العام؛ تصور لا يقوم على إلغاء الاختلاف أو فرض التوافق، وإنما على استيعاب التعدد داخل مساحة مشتركة من المعرفة والحوار… وهنا يأتي المجال العام الرشيد.
فهو ليس مجالًا يخلو من الخلاف، ولا فضاءً تتفق داخله الجماعات المختلفة على كل شيء، وإنما مجال يستطيع فيه المختلفون التعبير عن مواقفهم، والتعرض لوجهات النظر الأخرى، ومناقشة القضايا العامة على أساس المعرفة والحجة، لا على أساس كثافة الضجيج أو قوة الانتشار.
*الوعي الخوارزمي.. الخطوة الأولى*
في البيئة الرقمية، يصبح الوعي الخوارزمي عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على قدرة الجمهور على الاختيار. فالمستخدم الذي يدرك أن ما يظهر أمامه لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة للمعلومات المتاحة، وإنما يمر عبر عمليات ترتيب وانتقاء وتخصيص، يصبح أكثر قدرة على تنويع مصادره، ومراجعة المعلومات، والبحث عن وجهات نظر مختلفة.
وهنا يتحول الوعي الخوارزمي من مجرد معرفة تقنية إلى جزء من الوعي العام؛ لأن فهم الطريقة التي تصل بها المعلومات إلى الجمهور أصبح مرتبطًا بقدرة الفرد على تكوين رأي أكثر استقلالًا.
*من المسؤول عن بناء المجال العام الرشيد؟*
لا يمكن أن تقع مسؤولية بناء المجال العام الرشيد على الجمهور وحده. فالإعلام مطالب بالحفاظ على دوره في إنتاج المعرفة والتحقق من المعلومات، والمؤسسات التعليمية مطالبة بتنمية التفكير النقدي، والمنصات الرقمية مطالبة بمزيد من الشفافية بشأن آليات التوصية والانتقاء، بينما تحتاج البيئة الرقمية إلى أطر تعزز المساءلة وتحمي التعددية وحرية التعبير.
ويبرز كذلك دور الفاعلين المعرفيين القادرين على تفسير القضايا العامة وفتح مساحات للحوار، بدلًا من تكريس الاستقطاب أو التعامل مع الاختلاف باعتباره تهديدًا.
*نحو مجال عام رشيد خوارزميًا*
المستقبل لا يعني إقصاء الخوارزميات من المجال العام، كما لا يعني العودة إلى نموذج ينتمي إلى عصر سابق. فقد أصبحت الخوارزميات جزءًا من البنية التي تمر عبرها المعلومات وتتشكل داخلها أنماط التفاعل العام.
لكن التحدي يتمثل في ألا تتحول هذه البنية إلى قوة تحدد وحدها ما يظهر في وعينا العام، وما نتعرض له، وما يتراجع إلى الهامش.
وهنا تبرز فكرة المجال العام الرشيد خوارزميًا؛ مجال يستفيد من إمكانات التكنولوجيا، ويحافظ في الوقت نفسه على التعددية، ويفتح المجال أمام التعرض للمواقف المختلفة، ويمنح الإنسان مساحة حقيقية للاختيار والنقد والمشاركة.
فالمجتمع لا يحتاج إلى مجال عام يتفق فيه الجميع، وإنما إلى مجال يستطيع فيه المختلفون أن يلتقوا حول القضايا المشتركة، وأن يتحول الاختلاف بينهم من سبب للانقسام إلى فرصة للحوار وإنتاج المعرفة.
وفي عصر تستطيع فيه الخوارزميات أن تعيد ترتيب ما نراه ونقرأه، يصبح السؤال الأهم ليس كم صوتًا يستطيع أن يتحدث، وإنما: هل ما زال المختلفون يرون بعضهم بعضًا؟.













