بقلم: د.لمياء محسن (دكتوراه الإذاعة والتلفزيون ـ كلية الإعلام ـ جامعة القاهرة)
أعتقد أن العالم كان، في وقت ما، أكثر بهجة وألوانًا.
كان لكل شيء مذاقه الخاص، ولكل مكان ملامحه، ولكل إنسان طريقته في أن يرى الحياة.
لم تكن الأشياء تستعجل الوصول إلى صورتها النهائية.
كان هناك وقت لصناعة التفاصيل، ووقت للنظر إليها، ووقت لأن تصبح جزءًا من الذاكرة.
الألوان لم تكن تعيش في اللوحات وحدها. كانت في البيوت، وفي الملابس، وفي الأثاث، وفي الشوارع، وفي واجهات المباني، وفي السيارات، وفي الأشياء الصغيرة التي كانت تحيط بالإنسان كل يوم.
مصباح له شكل خاص.
ساعة لها حضور.
قطعة أثاث تظهر فيها يد صانعها.
نافذة لا تشبه النافذة التي بجوارها.
وثوب لا يبدو مجرد قطعة قماش، وإنما اختيارًا يقول شيئا عن صاحبه.
كان العالم يسمح للأشياء بأن تكون استثنائية.
ولم يكن التميز يعني أن يكون كل شيء غريبًا أو صارخًا، بل أن تظل هناك مساحة للفروق الصغيرة، وأن تترك الصنعة أثرها، وأن يمنح الإنسان ما يستخدمه شيئا من ذوقه وروحه.
وربما لهذا كانت الحواس أكثر يقظة…
العين لم تكن تمر على اللون فقط، بل تميزه.
والأذن لم تكن تستقبل الصوت فقط، بل تصغي إليه.
واليد كانت تعرف الخامة، وملمس الخشب، وبرودة المعدن، وأثر الصنعة.
وكانت الموسيقى قادرة على أن تفعل أكثر من ملء المكان. كانت تترك للعقل مساحة كي يفكر، وللروح مساحة كي تشعر، وللذاكرة فرصة كي تستيقظ.
كان الإنسان لا يستهلك العالم فقط، كان يتذوقه.
ثم تبدل إيقاع الحياة.
صار كل شيء أسرع، وأكثر قابلية للتكرار، وأكثر خضوعًا لمنطق الوظيفة والكفاءة. أصبح الشيء مطالبًا بأن يؤدي غرضه، وأن يصل بسرعة، وأن يكون متاحًا، وأن يجذب الانتباه.
ومع السرعة، بدأت التفاصيل تبدو أقل ضرورة.
ومع التكرار، أصبح التفرد أقل حضورًا.
ومع ازدحام الأصوات والصور، أصبح الهدوء نفسه شيئا نادرًا.
لكن المشكلة لم تكن في أن العالم أصبح بلا ألوان.
العالم لم يفقد ألوانه، نحن فقدنا شيئًا من قدرتنا على استقبالها.
وحين تتغير هذه القدرة، لا يحتاج العالم إلى أن يصبح قبيحًا حتى نفقد علاقتنا بالجمال.
يكفي أن نعتاد.
نعتاد التشابه، فلا نبحث عن التفرد.
نعتاد الضجيج، فلا نشتاق إلى الموسيقى.
نعتاد الأشياء المصنوعة بلا روح، فلا نسأل أين ذهبت يد الإنسان منها.
ثم يصبح ما كان يمكن أن يزعجنا جزءًا عاديًا من المشهد.
وهنا تكمن الخسارة الحقيقية.
ليس في اختفاء الجمال، وإنما في فقدان القدرة على تمييزه وتذوقه.
ولعل هذا يفسر عودتنا كثيرًا إلى جمال مضى.
نعيد سماع الأغاني القديمة، ونستعيد الأزياء، ونبحث عن تصميمات البيوت والأثاث التي تحمل ملامح زمن آخر.
لكن لماذا نعود إلى ما صنعه السابقون كلما أردنا أن نتذوق شيئا جميلًا؟
لماذا لا نصنع نحن جمالًا جديدًا يشبه زماننا؟
ربما لأن المشكلة لم تعد في ندرة الأدوات. بل في فقدان الروح التي كانت قادرة يومًا على ابتكاره.
فالإنسان الذي لا يملك وقتا للنظر، ولا مساحة للإصغاء، ولا قدرة على التأمل، يصعب عليه أن يصنع شيئا يحمل معنى يتجاوز وظيفته.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من الألوان.
السؤال عن الإنسان نفسه.
عن تلك المساحة داخله التي كانت تستجيب للعالم.
فمتى فقد العالم ألوانه؟
ربما لم يفقدها عندما تغيرت الأشياء.
ولم يفقدها عندما أصبحت الحياة أسرع.
ولم يفقدها لأن التكنولوجيا أخذت مكانا أكبر في حياتنا.
ربما فقد العالم ألوانه عندما فقد الإنسان روحه.














