بقلم :د.مني عبدالفتاح عثمان
(دكتوراه الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة أسوان)
في نيودلهي، لم يكن اجتماع قادة «بريكس» هذه المرة مجرد قمة دورية تضاف إلى أجندة الاجتماعات الدولية. فالقمة الثامنة عشرة، التي تستضيفها الهند يومي 12 و13 سبتمبر 2026، تنعقد في لحظة يمر فيها الاقتصاد العالمي بحالة غير عادية من الاضطراب؛ حروب وصراعات جيوسياسية، وتصاعد للحمائية التجارية، واضطراب في سلاسل الإمداد، وتنافس متزايد على التكنولوجيا والمعادن الحرجة، في الوقت الذي تتصاعد فيه أصوات الدول النامية مطالبة بنصيب أكبر في صناعة القرار الاقتصادي العالمي.
ومن هنا ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا قررت قمة بريكس؟ وإنما: هل أصبح العالم بالفعل أقرب إلى نظام اقتصادي أكثر تعددية، لا تنفرد فيه مجموعة محدودة من القوى والمؤسسات بصياغة قواعد اللعبة؟
فبريكس الذي بدأ قبل عشرين عامًا تجمعًا لأربع قوى اقتصادية صاعدة، قبل انضمام جنوب إفريقيا، لم يعد اليوم ذلك النادي الصغير. توسعت المجموعة لتضم اقتصادات من آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، وأصبحت دولها وشركاؤها تمثل كتلة سكانية واقتصادية يصعب تجاهلها. وتشير البيانات التي عرضتها الهند قبيل القمة إلى أن دول بريكس تمثل نحو نصف سكان العالم، وحوالي 40% من الناتج العالمي، وأكثر من ربع التجارة الدولية.
هذه الأرقام لا تعني أن بريكس أصبح بديلًا جاهزًا للاقتصادات الغربية، لكنها تقول شيئًا آخر أكثر أهمية: مركز الثقل الاقتصادي العالمي لم يعد موجودًا في مكان واحد.
فالاقتصاد الدولي الذي تشكلت مؤسساته الأساسية بعد الحرب العالمية الثانية كان يعكس موازين قوى مختلفة تمامًا عن عالم اليوم. الولايات المتحدة وأوروبا احتفظتا لعقود بنفوذ كبير داخل مؤسسات التمويل الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان، بينما أصبح جانب متزايد من النمو والإنتاج والتجارة العالمية يأتي من الاقتصادات الناشئة والنامية.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل نيودلهي.
دول بريكس لا تتحدث فقط عن زيادة التجارة فيما بينها، وإنما تطالب بإصلاح قواعد الحوكمة الاقتصادية العالمية، ومنح الاقتصادات النامية تمثيلًا يتناسب بصورة أفضل مع وزنها الحالي. ولذلك تتكرر في وثائق المجموعة الدعوات إلى إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف وجعلها أكثر تمثيلًا للدول النامية.
لكن الملف الذي يثير الاهتمام الأكبر يظل بلا شك الدولار.
منذ سنوات تتردد عبارات مثل «إنهاء هيمنة الدولار» أو «عملة بريكس الجديدة»، وكأن العالم على وشك الاستيقاظ ذات صباح ليجد عملة دولية جديدة تحل محل الدولار. الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
الدولار لا يزال العملة الأكثر تأثيرًا في النظام المالي العالمي، وإزاحته ليست قرارًا سياسيًا يمكن اتخاذه في قمة. فهيمنة أي عملة ترتبط بحجم الاقتصاد والأسواق المالية، وعمق أسواق الدين، والثقة والسيولة، وحجم استخدامها في التجارة والاحتياطيات الدولية.
ولهذا يبدو المسار الذي تتبعه بريكس حاليًا أكثر واقعية: ليس استبدال الدولار غدًا، وإنما تقليل الاعتماد عليه تدريجيًا في بعض المعاملات.
وفي اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول بريكس التي سبقت قمة نيودلهي، برز بوضوح الحديث عن توسيع استخدام العملات المحلية وتعزيز الترابط بين أنظمة المدفوعات عبر الحدود. كما دعت الهند إلى زيادة استخدام عملات الدول الأعضاء في التجارة والاستثمار.
وهذا تحول مهم.
فإذا تمكنت شركتان، إحداهما في الهند والأخرى في البرازيل أو الصين أو دولة إفريقية، من تسوية جزء أكبر من معاملاتهما بالعملات المحلية، فإنهما تخفضان بعض تكاليف التحويل ومخاطر تقلب العملات الأجنبية. وإذا توسعت هذه الآلية عبر عشرات الدول وحجم كبير من التجارة، فقد تؤدي على المدى الطويل إلى نظام نقدي دولي أكثر تنوعًا، حتى وإن بقي الدولار في الصدارة.
وهنا يظهر «بنك التنمية الجديد» باعتباره ربما أحد أكثر إنجازات بريكس عملية. فالبنك، الذي تأسس عام 2015، وافق حتى الآن على تمويلات بعشرات المليارات من الدولارات لمشروعات البنية الأساسية والتنمية المستدامة، ويسعى إلى زيادة التمويل بالعملات المحلية. وتضم عضويته اليوم إلى جانب الدول المؤسسة دولًا من بينها مصر والإمارات وبنجلاديش والجزائر وأوزبكستان.
القضية إذن ليست إنشاء مؤسسة تحمل اسمًا مختلفًا، وإنما ما إذا كانت تستطيع أن تقدم للدول النامية مصدرًا إضافيًا للتمويل بشروط وأدوات أكثر ملاءمة لاحتياجاتها.
ومن هنا تبدو إفريقيا معنية بما يجري في نيودلهي أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى.
القارة تمتلك جانبًا كبيرًا من المعادن الحرجة التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي الجديد، وتمتلك أسواقًا سريعة النمو، واحتياجات هائلة لتمويل الطاقة والنقل والبنية التحتية والتحول الرقمي. لكنها في الوقت نفسه لا تزال تعاني فجوة كبيرة بين ما تمتلكه من موارد وما تحصل عليه من قيمة مضافة.
بالنسبة لإفريقيا، لن تكون قيمة بريكس في إضافة منصة سياسية جديدة إلى المنصات القائمة، وإنما في الإجابة عن أسئلة عملية: هل يأتي الاستثمار في مصانع ومعالجة للمعادن بدلًا من تصدير الخام؟ هل يساعد التمويل الجديد في بناء السكك الحديدية والموانئ والطاقة؟ وهل تحصل الدول الإفريقية على مساحة أكبر داخل سلاسل القيمة العالمية؟
وبالنسبة لمصر، التي أصبحت عضوًا في بريكس وانضمت كذلك إلى بنك التنمية الجديد، فإن الفرصة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها انحيازًا بين «شرق» و«غرب». السياسة الاقتصادية الناجحة لا تستبدل شريكًا بشريك، وإنما توسع دائرة الخيارات.
يمكن لمصر أن تستفيد من زيادة التجارة والاستثمار مع اقتصادات بريكس، ومن أدوات التمويل الجديدة، ومن التسويات بالعملات المحلية حيث تكون مجدية اقتصاديًا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقاتها مع الأسواق والمؤسسات التقليدية. فالقيمة الحقيقية للتعددية ليست الانتقال من الاعتماد على مركز واحد إلى الاعتماد على مركز آخر، وإنما امتلاك بدائل أكبر وقدرة أفضل على التفاوض.
ومع ذلك، فإن الطريق أمام بريكس ليس خاليًا من العقبات.
دول المجموعة تختلف في أنظمتها السياسية ومصالحها الاقتصادية وتحالفاتها الدولية، وتوجد بينها منافسات وتباينات لا يمكن تجاهلها. كما أن اتساع العضوية، رغم أنه يزيد الوزن السياسي للمجموعة، قد يجعل الوصول إلى مواقف اقتصادية موحدة أكثر صعوبة.
وهنا يأتي الاختبار الحقيقي بعد نيودلهي.
فالأرقام الكبيرة، وعدد السكان، وحجم الناتج والتجارة تمنح بريكس وزنًا، لكنها وحدها لا تصنع نظامًا اقتصاديًا جديدًا. ما يصنعه هو القدرة على تحويل هذا الوزن إلى مؤسسات فعالة، وتمويل حقيقي، وتجارة متنامية، وأنظمة دفع مترابطة، ومشروعات مشتركة، وسياسات تستطيع الصمود أمام اختلاف المصالح بين الأعضاء.
لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل سيحل بريكس محل النظام الاقتصادي القائم؟
الأقرب إلى الواقع أن السؤال هو: هل يستطيع بريكس أن يجبر هذا النظام على التغير؟
ما يحدث في نيودلهي يشير إلى أن العالم لا يقف أمام انقلاب اقتصادي مفاجئ، وإنما أمام تحول أبطأ وأعمق؛ عالم تتوزع فيه القوة الاقتصادية بين عدد أكبر من المراكز، وتبحث فيه الدول النامية عن مساحة أوسع لصناعة القرارات التي تؤثر في مستقبلها.
وقد لا تكون نيودلهي المكان الذي وُلد فيه نظام اقتصادي عالمي جديد، لكنها قد تكون واحدة من المحطات التي تؤكد أن النظام القديم لم يعد قادرًا على الاستمرار بالقواعد نفسها.














