بقلم : د. منى سامي حامد (دكتوراه في اللغة العربية والنقد الأدبي)
يتناول هذا المقال ظاهرة “غواية التأويل الرقمي” التي تحوِّل النصوص الإبداعية عن سياقاتها الأصلية، مستعرضةً حالة المقطع النثري الشهير “لم أتحسس يدها” للكاتب الجزائري غاني مهدي.
يكشف المقال كيف انزاح النص من مرثية للأم والوطن في رواية “الكاسكيطة والسيجار” إلى أيقونة غرامية متداولة على المنصات الرقمية.
بتحليل سيميائي نقدي، يوضح المقال آليات هذا التحول، مستندًا إلى مفاهيم مثل “تزحزح علامات النص”، “أفق انتظار” الجمهور، و”إزاحة المكان”، ليخلص إلى أن هذه الظاهرة تجسد “اغتيال المعنى” الأصلي للنص لصالح تأويلات جماهيرية جديدة، مؤكدًا على أطروحة “موت المؤلف وولادة القارئ” في العصر الرقمي.
….
هل يمكن للموسيقى الافتراضية ونبرة الشجن الصوتي أن تمارسا عملية التزييف المعرفي المبرر، وتجعل الجمهور ينتزع نصًا من قلب المنفى بباريس ورثاء الأم المقبرة، ليصنع منه دليلًا لغراميات الأزقة المبللة تحت المطر؟.
إن حركة النص الإبداعي المعاصر عبر الوسائط الرقمية التفاعلية تضعنا أمام مأزق نقدي بالوجدان، مأزق يتجاوز حدود القراءة العادية ليلامس آفاق ما يُعرف في سيميائيات الخطاب بـ “تزحزح علامات النص وانزياح أفق الانتظار”.
ولعل أبرز تجليات هذه الغواية التأويلية في الراهن الثقافي الرقمي هو ذلك التداول الواسع والشغوف للمقطع النثري المترع باللغة الشاعريّة المكثفة: “لم أتحسس يدها.. إلى قوله: ماتت قصتنا قبل أن أزورها” .
هذا النص الذي تلقفته منصات التواصل الاجتماعي وموقع (يوتيوب)، وأُعيد إنتاجه وتوزيعه موسيقيًا بعدِّهِ مونولوج غنائي حزين، تحوَّل في وعي الجماهير وفي منشورات العشاق الافتراضية إلى أيقونة تختصر الحب من طرف واحد أوالخذلان الرومانسي، غير أن الحقيقة السردية الكامنة خلف جدار الورق تكشف عن مسافة جمالية صادمة ومفارقة حادة تستدعي المساءلة النقدية الفاحصة.
تبدأ المعالجة النقدية من العودة إلى الجذور البنيوية للمتن، فالنص في أصله ومناسبته الوحيدة لا ينتمي مطلقًا إلى أدبيات العشق الغرامي أو مناجاة امرأة جافية، لكونه في حقيقته مرثية وجودية وسياسية بالغة الشجن، صاغها الكاتب والإعلامي الجزائري غاني مهدي في روايته التوثيقية “الكاسكيطة والسيجار” الصادرة عام 2015.
الرواية في كليتها فعل هدم وتعرية للسرديات الرسمية لنظام الحكم في جزائر ما بعد الاستقلال، وتفكيك للصراع المرير بين “الكاسكيطة والسيجار” المتمثلين في المؤسسة العسكرية والنخبة المالية النفعية، مستندة إلى شخصيات وشهادات حقيقية ووثائق فساد نشرتها وسائل الإعلام.
وفي خضم هذا التفكيك السياسي الجاف والجرأة المتناهية في التسمية والتشريح، يفتح الكاتب مسارًا إنسانيًا ينبثق من فاجعة الفقد المعلق؛ حيث يتلقَّى البطل المعارض في باريس رسالة نصية قصيرة على هاتفه أثناء وجوده في المطار تنبئه برحيل والدته (خالتي العايشة)، وبسبب المنع والمنفى، تعجز خطاه عن العودة لتشييع جثمانها، فيرتد إلى باطنه مسترجعًا لحظات مواراة أمه الثرى كفنًا وقبرًا؛ ومن هنا ولدت تراكيب النفي المتكررة: “لم أتحسس يدها.. لم أغرق، لم أنم، لم أقبِّل وغيرها..”، فهي عبارات تصف الموت البيولوجي وتلاشي الجسد تحت التراب، لا هجر الحبيبة.
والأعمق من ذلك، أن الأم في النص تتحول إلى معادلٍ موضوعيٍّ وتناصٍ صريحٍ مع الوطن الأم (الجزائر) الذي تنكَّر لأبنائه ورمى بقلوب جيل كامل في المنافي الباردة.
بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف حدث هذا الانفصال الدلالي الكامل بين النص وسياقه الروائي؟.
هنا تتبدى سلطة التناص الوسائطي في العصر الرقمي، فبمجرد عزل الأسطر النثرية عن متن الرواية وضخها في قالب صوتي ممسوس بموسيقى خفيفة ونبرة إلقاء درامية، تحجبت الخلفية الأيديولوجية والتاريخية للنص، وتقدمت شعرية الفقد العارية بكونها بنية إنسانية كلية مفتوحة على كل التأويلات.
يُعدّ دخول الجمهور الرقمي إلى فضاء المنصات الافتراضية محفوفًا بأفق انتظار عاطفي محض، وهو ما يتماشى مع طبيعة هذه البيئة التفاعلية.
ففي هذا السياق، تتجلى رؤية الناقد الألماني هانس روبيرت ياوس حول “أفق الانتظار”، حيث يرى أن المتلقي يسقط خبراته القرائية والوجدانية السابقة ليتصالح مع معطيات النص الجديد هذا الإسقاط العاطفي، المدفوع بالسرعة التي تميز التفاعل الرقمي، يؤدي إلى تحولات دلالية عميقة.
فبدلاً من التلقي السلبي، ينخرط المتلقي في تلقي إيجابي يساهم في إبداع جديد للمعنى، كما يشير ياوس في قوله: “لا يعقل أن يحيا العمل الأدبي في التاريخ دون الإسهام الفعلي للذين يتوجه إليهم، ذلك أن تدخلهم هو الذي يدرج العمل ضمن الاستمرار المتحرك للتجربة الأدبية، هناك حيث لا يكف الأفق عن التحول وحيث يتم دائماً الانتقال من التلقي السلبي إلى التلقي الإيجابي، من القراءة المحايدة إلى الفهم النقدي، من المعيار الجمالي المقرر إلى مجاوزته بإنتاج جديد”، إلا أن هذا التفاعل قد يفضي إلى عملية السطحية وتخصيص الرمز، حيث تُجرّد الرموز الكبرى كـ “الأم/الوطن” من دلالاتها العميقة لتتحول إلى امرأة متخيلة، ويُختزل عجز الموت والفقد إلى عجز الصد والهجر العاطفي.
هذه التحولات تعكس كيف يمكن لجمالية التلقي والأثر المنتج، في ظل أفق الانتظار العاطفي للجمهور الرقمي، أن تعيد تشكيل المعاني لتلائم الخبرات الوجدانية المعاصرة.
ويؤكد ياوس على هذه العلاقة التبادلية بقوله: “إن تاريخية الأدب وخاصيته التواصلية تفترضان أن بين العمل التقليدي والجمهور والعمل الجديد علاقة تبادل وتطور – علاقة يمكن تحديدها بواسطة مقولات مثل الرسالة والمرسل إليه، والسؤال والجواب، والمسألة وحلها”( )، فهذا يبرز الدور الفاعل للمتلقي في بناء دلالات النص، وإن كان ذلك قد يؤدي إلى تبسيط أو تخصيص الرموز بما يتناسب مع طبيعة الاستهلاك الرقمي.
وتكمن المفارقة السيميائية الأكثر إثارة للدهشة في انزياح علامة المكان المتمثلة في “باريس وأزقتها”؛ ففي الرواية، باريس هي الفضاء السلبي القسري، هي رمز الغربة والشتاء والبرد والنفي الذي يحبس الابن خلف شاشات الهواتف الجافة بينما أمه تُدفن في الجهة المقابلة. فباريس في المتن الأصلي هي (الزنزانة والمنفى)، لكن وعي المتلقي الرقمي المستهلك للأغنية قام بـإزاحة أسطورية للمكان وفق تعبير غاستون باشلار في تحليله لجماليات الفضاء والمكان المتخيل؛ فاستبعد باريس الواقعية التوثيقية واستدعى باريس المتخيلة الكامنة في أدبيات السينما والروايات الرومانسية، بوصفها عاصمة الحب والأزقة المبللة تحت المطر والمواعيد الغرامية المبتورة.
هذا التصادم بين باريس المنفى وباريس الأسطورة يبرهن على أن المتلقي المعاصر يعيد بناء جغرافية النصوص المعروضة أمامه لتوائم احتياجاته السيكولوجية الذاتية، مستبعدًا أي عمق تاريخي قد يعكر صفو اندماجه العاطفي.
إن هذه الظاهرة النقدية المتجلية في نتاج غاني مهدي تمثل تجسيدًا صارخًا لأطروحة رولان بارت الشهيرة حول “موت المؤلف وولادة القارئ”؛ فما إن تنفك الكلمات عن غلاف الكتاب وتستقر في الفضاء الرقمي المشاع، حتى تنتزع الجماهير سلطة التأويل وتصنع للنص حيوات متعددة وجديدة تخرج تمامًا عن سيطرة صانعه الأول.
غير أن هذا الانزياح— من منظور النقد المعاصر—هو دليل قاطع على طاقته الشعرية العالية والسيَّالة، ويبتعد عن التشويه أو إفساد الأصالة النصية، فالنص الإبداعي يمتلك تعددية دلالية تمنحه القدرة على النجاة من مقاصد كُتَّابها ومن محدودية المناسبة، لتصنع من ألمها الخاص وثيقة إنسانية كونية، يجد فيها الابن المفجوع بأمه، والمغترب المشتاق لوطنه، والعاشق المخذول بقلبه، مرآة صالحة لسكب دموعه وشجنه.
في نهاية المطاف، ماتت حكاية غاني مهدي السياسية مع أمه الراحلة في باريس قبل أن يبوح بها، لكن الجماهير أحيت الكلمات لتجعل منها حكاية بلا بداية وذكرى بلا نهاية، في صدفة رقمية كتبها وعي المتلقين المتلهفين للجمال والحب بعيدًا.














