في مشهد ثقافي مصري استثنائي، احتضنت مدينة تورينو الإيطالية واحدة من أبرز التجارب الفنية التي تستعيد سيرة «كوكب الشرق» أم كلثوم، حيث افتتح السفير وليد عثمان، القنصل العام لمصر في ميلانو، معرض «كوكب الشرق.. أم كلثوم الهرم الرابع»، وسط حضور إيطالي وعربي ودولي لافت، في احتفاء بفنانة تجاوز تأثيرها حدود الغناء لتصبح جزءًا من ذاكرة أمة ووجدان أجيال متعاقبة.
وانطلقت فعاليات المعرض مساء أمس في تمام الخامسة والنصف بمقر نادي «بانفو» الثقافي في تورينو، بحضور جاكوبو روزاتيللي، مستشار بلدية تورينو، إلى جانب عدد كبير من الشخصيات العامة والضيوف الإيطاليين والعرب وممثلين عن جنسيات مختلفة، الذين حرصوا على المشاركة في هذا الحدث الثقافي المصري والتعرف على جوانب من المسيرة الاستثنائية لسيدة الغناء العربي.
وقام القنصل العام بقص شريط الافتتاح، إيذانًا بالانطلاق الرسمي للمعرض وفتح أبوابه أمام الجمهور، الذي توافد بكثافة لمتابعة الأعمال والتجربة الفنية التي تقدم رؤية مختلفة لسيرة أم كلثوم وإرثها الإبداعي.
وأكد الدكتور إبراهيم يونس، نائب رئيس اتحاد الجاليات المصرية في أوروبا، أن المعرض يحمل رسالة تتجاوز حدود الاحتفاء بفنانة عظيمة، قائلًا إن تاريخ أم كلثوم استطاع أن يبهر الإيطاليين وغيرهم في مختلف أنحاء العالم، لأنها لم تكن مجرد مطربة، وإنما أصبحت ذاكرة أمة وصوتًا ارتبط بتاريخها ومشاعرها وتحولاتها.
وأضاف أن أم كلثوم، بما امتلكته من حضور استثنائي وصوت خالد، نجحت في أن تتحول من فنانة إلى رمز ثقافي عابر للحدود، وهو ما يجعل استعادة سيرتها في مدينة أوروبية مثل تورينو مناسبة لمد جسور جديدة بين الثقافة المصرية والجمهور الأوروبي.
«الهرم الرابع».. ذاكرة لا تموت
ويأتي المعرض احتفاءً بقامة فنية استثنائية تركت بصمتها في تاريخ الموسيقى العربية، إذ لا يقاس إرث أم كلثوم بعدد الأغنيات والحفلات التي قدمتها فحسب، وإنما بحجم التأثير الذي تركته في وجدان الملايين، حتى أصبحت واحدة من الرموز التي يصعب فصلها عن الذاكرة الثقافية المصرية والعربية.
فالتاريخ لا يخلد الانتصارات والبطولات وحدها، وإنما يحتفظ أيضًا بأسماء الشخصيات التي استطاعت أن تترك أثرًا عميقًا في وجدان الشعوب، وأم كلثوم واحدة من هذه القامات التي تجاوز حضورها حدود الفن والجغرافيا، لتظل أغنياتها وصوتها حاضرين رغم مرور عقود على رحيلها.
ولم يكن اختيار تورينو لإقامة هذا الحدث مجرد صدفة، فالمدينة الإيطالية تمثل مساحة مهمة للتلاقي الثقافي والحضاري، كما تحتضن المتحف المصري في تورينو، أحد أهم وأعرق المتاحف المصرية خارج مصر وثاني أكبر متحف مصري في العالم، الأمر الذي يمنح إقامة معرض عن أم كلثوم في المدينة دلالة خاصة، باعتبارها نقطة التقاء بين الحضارة المصرية العريقة والثقافة الأوروبية المعاصرة.
بطلات من ذهب
وفي تجربة مختلفة، لم تقتصر بطولة المعرض على الأعمال الفنية المعروضة، وإنما كانت هناك مجموعة من النساء من خلفيات مهاجرة، اخترن أن يكن جزءًا فاعلًا من المشهد الثقافي، فلم يكتفين بالسعي إلى تعلم اللغة والاندماج في المجتمع الجديد، وإنما تحوّلن إلى صاحبات تجربة ثقافية وحارسات للذاكرة.
ومن خلال مشاركتهن، نشأ سرد بصري وإنساني خاص، يجمع بين السيرة الأسطورية لكوكب الشرق وبين الصور والذكريات والتجارب العائلية لهؤلاء النساء، في محاولة لإعادة تقديم أم كلثوم من زاوية مختلفة، تجعل من سيرتها مساحة مشتركة للحوار بين الثقافات والأجيال.
عندما يلتقي الماضي بالحاضر
ومن أبرز ملامح المعرض التجربة الموسيقية المبتكرة التي جمعت بين إرث أم كلثوم الموسيقي وعالم الشباب المعاصر، من خلال ورشة لصناعة الإيقاع Beatmaking بمشاركة شباب مشروع Gen-Zero.
وخلال الورشة، جرى استخدام عينات من صوت أم كلثوم الخالد ودمجها مع نغمات الباص 808 وإيقاعات موسيقى التراب، في تجربة فنية تفتح حوارًا غير تقليدي بين جيلين وزمنين؛ بين قاهرة العشرينيات وإيقاعات شباب ضواحي تورينو اليوم.
وتكشف هذه التجربة أن الفن الحقيقي لا يتوقف عند زمن محدد، وأن الصوت الذي خرج من القاهرة قبل عقود يمكن أن يجد طريقه إلى آذان جيل جديد في مدينة أوروبية، عندما يعاد تقديمه بلغة موسيقية يفهمها الشباب دون أن يفقد أصالته أو هويته.
وجاء تنظيم هذا العمل الثقافي والفني بمبادرة من مجموعة من السيدات المصريات وعدد من السيدات العربيات المشاركات، بدعم وتعاون وإشراف الناشطة الثقافية تاتيانا جورتشيلي، وبرعاية نادي «بانفو» في تورينو.
وهكذا تحولت أم كلثوم في تورينو من مجرد اسم في تاريخ الموسيقى العربية إلى جسر ثقافي جديد، يجمع المصريين والعرب والإيطاليين حول صوت لا يزال قادرًا، بعد كل هذه السنوات، على عبور الحدود واختراق اختلاف اللغات والأجيال، ليؤكد أن بعض الأصوات لا تغيب، لأنها تتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة الإنسانية.













