بقلم : د.لمياء محسن (دكتوراه الإذاعة والتلفزيون ـ كلية الإعلام ـ جامعة القاهرة)
أخطر ما في “المرآة” أنها لا تجامل..تضعنا أمام ما نحن عليه، لا أمام الصورة التي نحب أن نراها عن أنفسنا. وربما تكون مواقع التواصل الاجتماعي قد تحولت، من حيث لا ندري، إلى مرآة من نوع آخر، لا تكشف ملامح الوجه، وإنما تكشف ما هو أبعد منه: طريقة تفكيرنا، وحدود غضبنا، وقدرتنا على الاختلاف، وما يمكن أن نفعله بالآخر عندما لا يعجبنا ما يقول.
دخلنا هذه المساحة ونحن نظن أن الشاشة تمنحنا قدرًا من الاختباء. لا نرى الوجه الذي أمامنا، ولا يقف أحد على مسافة قريبة منا ليسألنا عن الكلمة التي قلناها، وقد نظن أن تعليقًا عابرًا يمكن أن يختفي وسط آلاف التعليقات.
لكن ما نكتبه لا يختبئ بالقدر الذي نتصوره.
قد لا يعرف الآخرون كل شيء عنا، لكنهم يرون شيئًا منا.
يرون الإنسان وهو غاضب، وهو مختلف، وهو مستفز، وهو يشعر أن الطرف الآخر لا يستحق احترامه. وفي هذه اللحظات تحديدًا قد تظهر منطقة لا ننتبه إليها في أنفسنا إلا نادرًا: الحد الذي نقف عنده قبل أن يتحول الاختلاف إلى أذى.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد آداب استخدام مواقع التواصل.
فأن تختلف معي ليس مشكلة، أن ترفض رأيي ليس مشكلة، أن تغضب مني حتى ليس المشكلة.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الاختلاف إذنًا بإهانتي، ويصبح الغضب مبررًا لسبّي، ويصبح رفض رأيي مبررًا للتشهير بي، ويصبح الخلاف على فكرة مدخلًا إلى الخوض في حياتي وعرضي وكرامتي.
في لحظة كهذه لا يعود الإنسان يدافع عن رأيه، إنه يعاقب الآخر لأنه تجرأ على أن يكون مختلفًا.
وهذه واحدة من أكثر التحولات التي تستحق التوقف أمامها في حياتنا الرقمية: متى أصبح الاختلاف يستدعي كل هذه القسوة؟
لماذا لا تنتهي بعض النقاشات عند حدود الفكرة؟
لماذا ينتقل الحوار بهذه السرعة من (أنا لا أتفق معك) إلى (أنت تستحق الإهانة)؟
وكيف أصبح من الممكن أن يتحول شخص لا نعرفه، ولا يعرفنا، إلى خصم نتصرف تجاهه وكأن إيلامه انتصار لنا؟
ربما لأن الشاشة أزالت شيئًا مهمًا من المشهد: حضور الإنسان الآخر.
حين يقف إنسان أمامنا، نرى وجهه، ونرى ارتباكه، ونرى أثر الكلمة عليه. أما خلف الشاشة، فقد يتحول هذا الإنسان إلى اسم وصورة وتعليق. ومع كل خطوة في هذا التجريد، يصبح إيذاؤه أسهل.
لكن هنا تكمن المفارقة.
الإنسان الذي نؤذيه خلف الشاشة لا يختفي عندما نغلقها.
والذي اعتاد تحويل الخلاف إلى إهانة لا يصبح شخصًا آخر عندما يدخل إلى بيته.
هو نفسه الأب الذي يربي أبناءه، والأم التي تربي أبناءها، والأخ الذي يتعامل مع إخوته، والزميل الذي يعمل إلى جوارنا، والشخص الذي نلتقيه في المدرسة أو الشارع أو العمل.
وهنا يصبح الأمر أكثر خطورة من مجرد تعليق سيئ.
لأننا لا نتحدث عن كلمات عابرة فقط، وإنما عن طريقة في التعامل مع الآخر.
والطرق التي نكررها كثيرًا تبدأ في التحول إلى عادات، والعادات لا تبقى دائمًا محصورة في المكان الذي بدأت فيه.
ومع التكرار، يحدث شيء آخر أكثر هدوءًا وخطورة.
نعتاد.
نعتاد الشتيمة حتى لا تعود صادمة.
نعتاد التشهير حتى يصبح مجرد جزء من المشهد.
نعتاد الخوض في الأعراض حتى تمر الجملة التي كانت ستثير غضبنا قبل سنوات وكأنها تعليق عادي.
ونعتاد التهديد والسخرية والتحريض، لأن كل يوم يأتي بمشهد جديد أشد من سابقه.
وهنا لا تكمن الخطورة فقط في الشخص الذي يمارس السلوك، وإنما في البيئة التي تتوقف تدريجيًا عن الشعور بأنه تجاوز حدًا.
فالأخلاق لا تتآكل دائمًا في لحظة كبيرة، أحيانًا تتآكل في التفاصيل التي نسمح لها بالمرور.
في تعليق نضحك عليه، في إهانة نشاركها، في شخص نشهر به لأننا لا نحبه، في كلمة جارحة نقول عنها: “كان يستحق”.
وفي كل مرة نمنح أنفسنا مبررًا صغيرًا، نوسع قليلًا المساحة التي يمكن أن نؤذي فيها الآخر دون أن نشعر أننا فعلنا شيئًا خطيرًا.
ثم نعود لنسأل: ماذا حدث للمجتمع؟
لكن المجتمع ليس كيانًا منفصلًا عنا.
هو مجموع ما نفعله، وما نقبله، وما نمر عليه دون اعتراض، وما نورثه لمن يأتي بعدنا.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند مواقع التواصل نفسها.
المسألة أعمق.
إنها تتعلق بالإنسان نفسه، وبقدرته على أن يظل إنسانًا عندما يغضب، وعندما يختلف، وعندما يشعر أن لا أحد يراقبه.
فهل الأخلاق هي ما نفعله لأن الآخرين يروننا؟
أم هي ما نمتنع عن فعله حتى عندما نملك القدرة على فعله دون حساب؟
ربما هنا تحديدًا تظهر قيمة المرآة الرقمية.
فهي لا تخبرنا فقط من نتابع، ولا ماذا نحب، ولا ما الذي نختلف حوله.
أحيانًا تخبرنا من نحن، وما الذي يمكن أن نفعله بالآخر.
وهذا هو الوجه الآخر الذي يستحق أن نخاف منه.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأخير:
ماذا تفعل بنا مواقع التواصل الاجتماعي؟
بل:
ماذا يحدث لنا ونحن نستخدمها كل يوم؟
وإلى أين يمكن أن يصل بنا الطريق، إذا ظللنا نختلف بهذه القسوة، ونؤذي بهذه السهولة، ثم نغلق الشاشة ونعود إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث؟.














