بقلم: أ.د. حسن رجب (أستاذ الدراسات الصينيةـ مدير معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس)
لم تكن زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينج” إلى الولايات المتحدة خلال الفترة من 23 إلى 25 سبتمبر الجارى مجرد محطة بروتوكولية جديدة في سجل القمم بين واشنطن وبكين، بل جاءت في لحظة شديدة الحساسية تتداخل فيها التجارة بالتكنولوجيا، والاقتصاد بالأمن، والمنافسة الاستراتيجية بحسابات الاستقرار الدولي.حيث اكتسبت الزيارة بعدًا إضافيًا لكونها جاءت بعد أربعة أشهر فقط من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في مايو الماضي، بما عكس مستوى غير مسبوق من كثافة التواصل بين قيادتي البلدين. ومن هنا، فإن القيمة الأساسية للزيارة لا تكمن في مظاهر الاستقبال الرسمي وحدها، وإنما في السؤال الأعمق الذي طرحته: هل تستطيع الصين والولايات المتحدة الانتقال من مجرد إدارة الأزمات المتعاقبة إلى بناء آليات أكثر استقرارًا لإدارة المنافسة بينهما؟ ، إذ تشير نتائج القمة إلى محاولة جديدة لإعادة هندسة العلاقة بين الطرفين على نحو يحدّ من تداعيات الخلافات ويؤسس لقواعد أكثر استقرارًا لإدارة التنافس، دون أن ترقى هذه الخطوة إلى مستوى تسوية تاريخية تنهي الخلافات القائمة أو تضع حدًا للتنافس بينهما.
ومنذ وصول “شي جين” بينج إلى قاعدة أندروز الجوية في 23 سبتمبر، حرصت واشنطن على إضفاء طابع رفيع المستوى على الزيارة، من خلال تنظيم مراسم استقبال رسمية كاملة في البيت الأبيض، تخللتها الموسيقى العسكرية واستعراض حرس الشرف وتحليق الطائرات العسكرية. ورغم أن هذه المظاهر تندرج، في جانب منها، ضمن الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية، فإنها اكتسبت في سياق الزيارة دلالة سياسية أوسع، عكست حرص واشنطن على إبراز أهمية العلاقة مع بكين والتعامل معها بوصفها قوة كبرى لا يمكن تجاهلها في حسابات النظام الدولي، حتى في ظل المنافسة الاستراتيجية الحادة التي تطبع العلاقات بين البلدين.وفي المقابل، يعكس قبول بكين بهذا المستوى من البروتوكول رغبة في تثبيت العلاقة على قاعدة الندية، وتحويلها من لغة الخصومة المفتوحة إلى علاقة أكثر مؤسسية يمكن من خلالها إدارة التنافس. كما أن امتداد برنامج الزيارة إلى أنشطة ثقافية وتاريخية أضاف رسالة أخرى، مفادها أن إدارة المنافسة لا تعتمد فقط على القنوات السياسية والاقتصادية، وإنما تحتاج أيضًا إلى الحفاظ على مساحات اتصال تمنع اختزال العلاقة في ملفات الصراع وحدها.
وفي هذا السياق، عكست النتائج المعلنة للزيارة توجهًا تدريجيًا نحو الانتقال من منطق “التفاهمات” إلى بناء “آلية عمل” أكثر انتظامًا واستدامة ، فوفق ما أعلنه الجانب الصيني، أسفرت الزيارة عن ثماني نتائج وتفاهمات رئيسية، من أبرزها الاتفاق على بناء “علاقة بناءة من الاستقرار الاستراتيجي” تقوم على الاحترام والإنصاف والتبادلية، إلى جانب دعم استضافة كل طرف للآخر لقمم مجموعة العشرين ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ “أبيك”. حيث شملت التفاهمات كذلك ملفات إيران والممرات المائية الدولية ومكافحة المخدرات، وإنشاء حوار صيني ـ أمريكي بشأن الذكاء الاصطناعي وقناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة به.
وعلى المستوى الاقتصادي، جرى الدفع بمجلس التجارة ومجلس الاستثمار اللذين تأسسا خلال قمة مايو في بكين، كما تم التوصل إلى ترتيب لخفض الرسوم الجمركية المتبادلة بقيمة 30 مليار دولار، وإنشاء فريق عمل لمعالجة عوائق النفاذ إلى الأسواق الزراعية. وأعلنت واشنطن كذلك أن الصين ستستورد ما لا يقل عن عشرة ملايين طن متري من الفحم الأمريكي في عامي 2027 و2028. وتكشف هذه النتائج عن تغير مهم في طبيعة التفاوض؛ فلم تعد إدارة العلاقة تعتمد فقط على التوصل إلى “صفقة” في كل أزمة، وإنما بدأ الطرفان في بناء مؤسسات وقنوات دائمة لإدارة المصالح المتشابكة. فمجلس التجارة يتيح معالجة الملفات التجارية بعيدًا عن انتظار القمم الرئاسية، بينما يوفر مجلس الاستثمار إطارًا منتظمًا للتعامل مع العقبات الاستثمارية. وهكذا تتحول العلاقة تدريجيًا من الاعتماد على الصفقات إلى الاعتماد على آليات ثابتة ومنظمة.
ويبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أوضح الأمثلة على هذا التحول. فقد اتفق الطرفان على إنشاء حوار صيني ـ أمريكي حول الذكاء الاصطناعي، مع تحديد جولة تالية في نوفمبر 2026، إلى جانب إنشاء قناة ثنائية للاتصال في حال وقوع حوادث مرتبطة بهذه التكنولوجيا. وأكد شي أن البلدين يمتلكان قدرات قوية في هذا المجال، وأن المنافسة يمكن أن تتوازى مع التعاون، مع ضرورة منع إساءة استخدام التكنولوجيا وإبقائها تحت السيطرة البشرية، بينما أقر ترامب بأهمية الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى مستقبل البشرية، داعيًا إلى استمرار الحوار. ولا تعني هذه الخطوة انتهاء المنافسة التكنولوجية أو إزالة القيود المفروضة على التقنيات الحساسة، لكنها تعكس إدراكًا مشتركًا بأن بعض ساحات التنافس أصبحت شديدة الخطورة بحيث تحتاج إلى حواجز أمان. وبالتالي، لا يتمثل الهدف في إنهاء السباق التكنولوجي، وإنما في تقليل احتمال أن يتحول حادث تقني أو أمني إلى أزمة سياسية واسعة.
ومع ذلك، ظلت تايوان أحد أهم الحدود الاستراتيجية في العلاقة. فقد شدد شي على موقف الصين بشأن الوحدة الوطنية وسلامة أراضيها، ودعا واشنطن إلى الالتزام بموقفها المعارض لاستقلال تايوان والتعامل بحذر مع القضية. وفي المقابل، لم تنتج القمة اتفاقًا جديدًا يحسم النزاع، ولم تدخل القضية ضمن صفقة كبرى معلنة. وهذا لا يعني تراجع أهميتها، بل يعكس حساسية الملف نفسه؛ فقد كانت تايوان تاريخيًا مثالًا على قدرة الطرفين على إدارة الخلاف عبر ترتيبات دبلوماسية دون إنهائه. ومن ثم، فإن استمرار قنوات الحوار في هذه القضية يمكن أن يمثل جزءًا من استراتيجية منع التصعيد، حتى مع بقاء الخلافات الأساسية دون حل.
وامتد النقاش بين الرئيسين إلى الحرب والأوضاع في الشرق الأوسط وإيران وأوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية. ووفق البيانات الرسمية، اتفق الجانبان على ضرورة التزام إيران بتعهدها بعدم تطوير سلاح نووي، وعلى عدم فرض أي دولة أو مؤسسة رسوم مرور على الممرات المائية الدولية. لكن هذه التفاهمات لا تزال مبدئية ومحدودة بما تم الإعلان عنه، ولم تتحول بعد إلى ترتيبات تنفيذية كاملة وواضحة
؛ فلم تعلن القمة عن وساطة صينية ـ أمريكية مشتركة في ملفات أوكرانيا أو الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن استمرار الحوار بشأن هذه القضايا يحمل أهمية في عالم تتقاطع فيه مصالح واشنطن وبكين في بعض الملفات وتتباعد في أخرى، إذ يمكن لكل قناة اتصال إضافية أن تساعد في الحد من سوء الفهم وتضييق احتمالات التصعيد.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في الزيارة هو اختلاف اللغة التي صاغ بها كل طرف رؤيته للعلاقة مع الآخر. فقد ركزت بكين على مفهوم “العلاقة البناءة من الاستقرار الاستراتيجي”، بما يعكس تصورًا لعلاقة طويلة الأمد تُدار فيها المنافسة ضمن حدود واضحة، وتُعالج الخلافات عبر قنوات اتصال منتظمة.
أما واشنطن، فركز خطابها بصورة أكبر على “العدالة والتبادلية” والنتائج الاقتصادية المباشرة، بما في ذلك فتح الأسواق أمام الصادرات الأمريكية، والحد من تدفق المواد الكيميائية ، وتأمين المعادن الحيوية، وتوسيع التجارة والاستثمار. ورغم اختلاف اللغة، فإن الطرفين يلتقيان عند مصلحة عملية أساسية؛ فالصين تحتاج إلى بيئة دولية أكثر استقرارًا لمواصلة التنمية، والولايات المتحدة تحتاج إلى إدارة منافستها مع الصين بطريقة لا تؤدي إلى اضطرابات أوسع في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا. فالمصالح المتبادلة لا تلغي الخلاف، لكنها تجعل البحث عن قواعد للتعايش معه ضرورة.
وجاءت الزيارة بعد مسار من التصعيد التجاري والمفاوضات المتلاحقة، وكانت الترتيبات التجارية السابقة تقترب من نهايتها. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها محاولة لتوفير الوقت السياسي والاقتصادي اللازم لمنع العودة السريعة إلى دوامة التصعيد، أكثر من كونها محاولة لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي دفعة واحدة. ولهذا جاءت النتائج في صورة توسيع قنوات التفاوض وبناء المؤسسات، لا في صورة اتفاق شامل يغلق جميع الملفات. فالعلاقة لم تنتقل من المنافسة إلى التعاون، وإنما تحاول الانتقال من منافسة غير منضبطة إلى منافسة تضع لنفسها حواجز حمائية.
وانطلاقًا من ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لنتائج زيارة شي يبدأ بعد مغادرته واشنطن. فالتفاهمات المعلنة تحتاج إلى تنفيذ، ومجلس التجارة يحتاج إلى تحويل الاتفاقات إلى إجراءات، ومجلس الاستثمار يحتاج إلى نتائج ملموسة، وحوار الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى آليات قابلة للاستخدام، فيما تظل ملفات المعادن الحيوية والتكنولوجيا وتايوان قادرة على إعادة إشعال التوتر. كما أن قدرة الطرفين على الحفاظ على قنوات الاتصال خلال الأزمات ستكون أكثر أهمية من البيانات الصادرة عن القمة نفسها.
وفي النهاية، ليست الصورة الأدق للعلاقات الصينية ـ الأمريكية بعد زيارة واشنطن صورة مصافحة أنهت الأزمة، ولا صورة صفقة تاريخية أغلقت دفتر الخلافات، وإنما صورة قوتين كبيرتين تدركان أن استمرار الخلاف لا يعفيهما من بناء قواعد للتعايش معه. حيث خرج شي من واشنطن محملًا بإطار دبلوماسي جديد يقوم على مفهوم “الاستقرار الاستراتيجي”، بينما خرج ترامب بسلسلة من التفاهمات الاقتصادية والمؤسسية التي تستجيب لعدد من الأولويات الأمريكية. وبين الإطارين تتشكل ملامح المرحلة المقبلة.
ولعل الرسالة الأهم لزيارة سبتمبر 2026 ليست أن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة قد انتهت، وإنما أن إدارة هذه المنافسة أصبحت ضرورة لا يمكن للقوتين تجاهلها. فالمسألة لم تعد تتعلق بإمكان وقف التنافس، بقدر ما تتعلق بقدرتهما على منعه من الانزلاق إلى صدام ستكون كلفته أوسع من حدود واشنطن وبكين.
ومن ثم، فلن تُحسم القيمة الحقيقية للزيارة بما تحقق أمام الكاميرات أو بعدد الاتفاقات المعلنة، وإنما بما سيحدث في الأشهر التالية: هل تتحول لغة “الاستقرار الاستراتيجي” إلى سلوك مستدام؟ وهل تصبح الآليات الجديدة التى تم الاتفاق عليها مؤسسات قادرة بالفعل على احتواء الأزمات؟ ففي العلاقات بين القوى الكبرى، قد تكون الهدنة اتفاقًا مؤقتًا، أما الآليات التي تمنع الانزلاق إلى المواجهة فهي التي يمكن أن تصنع التاريخ.














