# من أول السطر
بعد ساعات قلائل من توقيع اتفاقية وثيقة السلام والتي استضافتها أرض الكنانة، ووسط موجة عارمة من الفرحة في أرجاء الدنيا وفي رحاب الأرض المحتلة. صدمت حركة حماس العالم بما أقدمت عليه من ممارسات مستهحنة وشاذة، بدلا من الاحتفاء بإحباط مخطط التهجير وإحراز انتصار معنوي في معركة الإرادة والصمود.
فجأة نفذت حماس مجموعة من الإعدامات الميدانية رميا بالرصاص بصورة بشعة بحجة أن لديها مخاوف أمنية من تعاون بعض العائلات الفلسطينية مع الاحتلال، واعتبرتهم جواسيس وخونة!.
وهو تصرف يفتقد لحكمة المواءمة وإدارك دقة اللحظة، وخطورتها دون وعي بمردوداته وتأثيراته السلبية علي مراحل الاتفاق اللاحقة وعلي صورة المقاومة التي حظيت بتعاطف وشبه إجماع أممي غير مسبوق، والاعتراف بحق أهل فلسطين في دولة مستقلة ووطن حر ذي سيادة.
كما اشتبكت حماس مع بعض العائلات الفلسطينية شرقي جباليا، بتهمة التخابر مع جيش الاحتلال، بحجة أن الاتفاق يتضمن تفويضا مؤقتا لادارة شؤون أمن وفقا لاتفاق السلام ووقف إطلاق النار.
وقد كان حري بها أن تتمهل قليلا لحين عودة الحياة لطبيعتها، أو الاكتفاء بحبس هؤلاء احتياطيا علي ذمة المحاكمة العادلة لحين عودة مؤسسات غزة للعمل من جديد.
بهذه الأفعال والتصرفات المتهورة مع كم التحديات المتوقع، ستضع حماس نفسها في مأزق بين ماضي موجع وحاضر مضطرب ومستقبل ضبابي.
ولكم الله أبناء فلسطين الحبيبة فلم تكتمل فرحة النصر المعنوي والعودة للأرض وفشل مخطط التهجير القسري، بعد أوجاع التشرد والجوع فلم تشبع بعد بطون جائعة وقلوب ظامئة، ولم تجف بعد دماء الشهداء أودموع أهالي المفقودين .. ولم تشف جراح المصابين ولم تبرأ نار الثكلي، ولم تكتمل فرحة العودة بالعمران والبناء.
لقد هدأت حرب المدافع قليلا ، واشتعلت حروب الفتنة ومعارك التطلعات وطموحات الحكم والسيطرة علي أنقاض وطن محطم وأطلال نفوس جريحة!.
وقد انتشرت مشاهد الإعدام الفلسطينين كالنار في الهشيم، عبر مختلف منصات التواصل الرقمية وأعادت للأذهان ذكريات مؤلمة لما كان يقوم به تنظيم الدولة من أعمال انتقامية وذبح للمعارضين.
ويبدو أن قادة حماس لم يستوعبوا دروس الماضي القريب أو البعيد، حيث شهد التاريخ أحداثا مشابهة لا علاقة لها بسماحة الدين ولا بتعاليمه ومبادئه التي علمت الدنيا قيم الحق والعدل وحقوق الإنسان.
لقد اقترفت حماس خطأ استراتجيا كبيرا يمهد لدخولها النفق المظلم، وربما الوقوع في شراك الفخ الأكبر الذي اعتمدت عليه إسرائيل لبث الفرقة والخلافات، والنزاعات غير المبررة بين مختلف الفصائل الفلسطينية..
و نقلت تل أبيب بصورة مكثفة مشاهد الإعدام للعالم، لتحسين صورتها أمام العالم، ووصم المقاومة بالدموية والوحشية، ودعم السردية الصهيونية القائمة علي تزييف الحقائق والتنصل من اقتراف جرائم حرب إبادة ممنهجة لتصفية الفلسطينية وقضيتهم، كما عملت علي تجسيد صورة ذهنية للشعب الفلسطيني، وكأنه شعب يقتل بعضه بعضا ولا يعرف شيئا عن مفهوم التعايش وحقوق الإنسان.
ويري بعض المحللين أن حماس اقترفت جرما لا يغتفر بإقدامها علي هذا التصرفات اللإنسانية والتي تحمل تناقضا غير مبرر فكيف كانت تحسن معاملة الأسري والرهائن لديها، وإنه لمن التناقض بل والمفارقة أن تعامل أبناء العدو بهذا اللطف، والكرم، والحنكة الأخلاقية والسياسية التي تنم عن مباديء دينية وأخلاق قويمة، وفي نفس الوقت تعامل أبناء جلدها رجالا ونساء وأطفالا بهذا الفعل المشين وأن تنصب نفسها إلها تحكم وتقتص منهم بهذه الوحشية واللإنسانية وتقيم عليهم الحد بدون محاكمة عادلة!
وعلي نفس وتيرة “الفتنة” صدم الشعب الفلسطيني بظهور مجموعات مسلحة أخري علي هيئة ميليشيات أطلقت علي نفسها “الجيش الشعبي” في شمال غزة، ووصفت منظمة حماس في بيان لها بالارهابية وأعلنت أنها إنما جاءت لحماية الفلسطينيين وتأمين عودتهم لشمال غزة.
ويبدو أن الجميع انتهز حالة الفراغ و غياب السلطة الحاكمة في تلك الفترة الانتقالية لإثبات الوجود وحجز مقعد مبكر للمشاركة في القيادة وإدارة شؤون غزة مستقبلا!.
ويري البعض أن حماس تعمدت القيام بهذه التصرفات والإعدامات بهدف صياغة رسائل عملية للداخل والخارج بأنها ما تزال موجودة، وأنها لن تفرط في سلاحها، وهي قضية ليست بالأمر الهين ولها أبعاد سياسية وقانونية وإنسانية ووجودية قد تقود عملية السلام إلي الخلف، وربما إلي مربع “صفر”.
والأمر المحير أن هذا يحدث في توقيت يشهد فيه العالم تعاطفا وتغيرا في المواقف والقناعات لصالح القضية الفلسطينية، ومن ثم يجب استثمار هذا الزخم الإيجابي والعمل### سريعا علي تشكيل مجلس لقيادة غزة بحضور عربي قوي والعمل علي تعزير
وحدة وطنية تنهي الانقسام البغيض وتفوت الفرصة علي المغرضين ،تجنبا للانتكاس وإجترار ذكريات مؤلمة قبل سنوات لمواجهات بين حماس وفتح ،وغيرها من الفصائل، التي راح ضحيتها العشرات من الفلسطينين الأبرياء.
في تقديري أن القضية الفلسطينية اليوم في منعطف خطير ..تكون أو لا تكون، ولا مجال لتصفية الحسابات أو المزايدة علي القضية والمبدأ،والأرض،وقيم المقاومة العادلة، وفكرة الصمود والنضال اللامحدود حب الوطن فالجميع في خندق واحد ،والتمادي في الأخطاء يصنع مناخ الفتنة والفرقة ،ويقدم للاحتلال الغاصب الذرائع والمسوغات والمبررات لخرق وقف إطلاق النار ومواصلة العدوان، وتحجيم المساعدات الإنسانية ،واستبعاد فكرة الدولة الفلسطينية ،والإصرار علي سحب السلاح وتشويه صورة المقاومة،وتحقيق أهدافه الخبيثة بايدي الفلسطينين أنفسهم.
كما أن أجواء الفرقة والتنازع رسالة سلبية للعالم شرقا وغربا،قد يفقد المقاومة هذا الإجماع الأممي والتعاطف غير المسبوق مع القضية الفلسطينية وعدالة منطقها ونهجها.
وفي تقديري ورغم مرارة المشهد الشائك ،فما تزال الفرصة أمام حماس لإتقاء حافة الهاوية وتصحيح نهجها والتراجع خطوة للخلف ،مع القراءة الفاحصة لدروس الماضي القريب والبعيد والعمل كافة القوي الفلسطينية واستيعاب الجميع وتحقيق الاندماج الوطني وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني والانضواء تحت لواء التوافق الوطني بما يتوافق مع طبيعة المرحلة.
ويجب أن تبدأ صفحة جديدة من العمل الوطني الفلسطيني ،بما يتوافق مع طبيعة المرحلة الحرجة، وبطريقة إيجابية وبناءة.
وحري بها أن تعيد قراءة التجارب الفاشلة لقوي التيار الإسلامي ،التي تخلت عن المنهج الوسطي وانتهجت العنف والخصام الحاد مع الناس واتسمت بالكبر والتعالي نتيجة الفهم الخاطيء للدين ولبعض الأدلة النصية والنقابة ، كما أسهمت يممارستها في تنفيذ مخططات التفتيت والفوضى وتغيير خريطة الشرق الأوسط.
لقد بذلت مصر جهودا دبلوماسية مضنية بغية تقريب المسافات وتضييق هوة القناعات وترويض جموح العدو وطموحات حماس ووضع حد لحرب غزة وتدشين مرحلة جديدة من الإعمار وإعادة تأهيل أبناء غزة معنويا وماديا،واستبعاد التخوفات بحدوث هجرات اختياربة هروبا من جحيم الحرب الأهلية المحتملة، بعد أن صمد أبناؤها لسنوات طويلة في وجه مخططات الكيان الإسرائيلي،وكلل نضالهم بإحباط مخطط التهجير والتشريد خارج الديار.
وحتي لا ندخل مجددا في النفق المظلم،وشراك هذا الفخ اللعين، من المهم استيعاب فكرة النصر المعنوي لأبناء فلسطين كخطوة تمهد للنصر الأكبر ووعد الله الحق وهو القائل جل شأؤنه في محكم العزيز:
(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) صدق الله العظيم.الأنفال 10.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.. إليه المرجع والمصير.
#.














