بقلم: لواء د. رضا فرحات
(نائب رئيس حزب المؤتمر أستاذ العلوم السياسية)
مع إطلالة عام 2026، لا يبدو العالم وكأنه يدخل عاما جديدا بقدر ما يقف أمام مرحلة مفصلية تفرض على الجميع طرح أسئلة كبرى، تتجاوز الحسابات التقليدية، وتمس جوهر مستقبل الدول، واستقرار الشعوب، وقدرة النظام الدولي على الاستمرار بصيغته الحالية ، العالم اليوم أكثر اضطرابا، وأقل يقينا، وأكثر احتياجا لإجابات صعبة على تساؤلات لم يعد من الممكن تأجيلها.
أولى هذه الأسئلة تتعلق بمصير النظام الدولي نفسه: هل ما زال النظام القائم قادرا على إدارة الأزمات، أم أننا أمام إعادة تشكيل كاملة لقواعد القوة والنفوذ؟ الصراعات الممتدة في الشرق الأوسط، والحرب في أوكرانيا، والتوترات في آسيا، جميعها مؤشرات على عالم يتحرك بلا بوصلة واضحة، حيث تراجعت فاعلية المؤسسات الدولية، وغابت الحلول العادلة، وحلت سياسة فرض الأمر الواقع محل الدبلوماسية التقليدية.
أما السؤال الثاني، فيتعلق بالدولة الوطنية، التي باتت في مرمى استهداف مباشر وغير مباشر، ففي زمن الفوضى، تستهدف الدول المستقرة قبل غيرها، ليس فقط بالسلاح، بل بحروب الوعي، والاقتصاد، والتشكيك في المؤسسات ومن هنا، يصبح عام 2026 اختبارا حقيقيا لقدرة الدول على حماية تماسكها الداخلي، وصون ثقة شعوبها، والحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية.
وفي القلب من هذه المعادلة، تبرز مصر كنموذج لدولة تدير أزماتها بعقل استراتيجي، لا بمنطق رد الفعل ، حيث تدخل مصر عام 2026 وهي أكثر إدراكا لتعقيدات المشهد الإقليمي، وأكثر وعيا بخطورة ما يحيط بها من تحديات، سواء على حدودها المباشرة أو في محيطها العربي و الإفريقي والسؤال هنا: كيف تحافظ الدولة المصرية على استقرارها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء؟ والإجابة تكمن في صلابة مؤسساتها، وتماسك جبهتها الداخلية، ووضوح رؤيتها السياسية.
اقتصاديا، يفرض عام 2026 سؤالا لا يقل أهمية: هل تؤتي برامج الإصلاح ثمارها في ظل مناخ دولي مضطرب؟ العالم كله يعاني من تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات التضخم، واضطراب سلاسل الإمداد وفي هذا السياق، تصبح القدرة على الصمود الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التوازن الاجتماعي، تحديا حقيقيا للدول النامية غير أن الرهان المصري يظل قائما على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج، وربط الإصلاح الاقتصادي بالحماية الاجتماعية، بما يحفظ الاستقرار المجتمعي.
ويبرز سؤال آخر لا يمكن تجاهله: أين يقف الوعي المجتمعي في مواجهة موجات التضليل؟ حيث باتت معركة الوعي خاصة مع تصاعد دور منصات التواصل الاجتماعي، إحدى أخطر معارك العصر وعام 2026، لن تكون المواجهة عسكرية فقط، بل فكرية وإعلامية بامتياز وهنا، تتعاظم مسؤولية الإعلام الوطني، والنخب الفكرية، والمؤسسات التعليمية، في بناء وعي قادر على التمييز بين الحقيقة و الشائعة، وبين النقد البناء ومحاولات الهدم.
كما يطرح العام الجديد سؤالا جوهريا حول مستقبل القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي كشفت تطوراتها الأخيرة عن حجم التناقض في المعايير الدولية، وغياب العدالة، وعجز المجتمع الدولي عن فرض حلول عادلة ويظل الموقف المصري ثابتا في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، انطلاقا من رؤية تعتبر أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا بإنهاء جذور الصراع، وليس بإدارته.
يمكن القول إن 2026 ليس عاما عاديا، بل عام الأسئلة الكبرى بامتياز أسئلة عن المستقبل، وعن قدرة الدول على الصمود، وعن وعي الشعوب، وعن مصير عالم يتغير بوتيرة متسارعة والإجابة عن هذه الأسئلة لن تكون سهلة، لكنها تبدأ بإدراك حجم التحدي، وامتلاك الإرادة السياسية، والرؤية الواضحة، والرهان الدائم على وعي المجتمع وصلابة الدولة.














