ليست الفضائل كلها صالحة إذا أُطلقت بلا قيد، فكما أن الدواء إن زاد انقلب داءً، فإن العطاء إذا جاوز حدَّه خرج من كونه رحمة إلى كونه عبء، ومن كونه خلقًا نبيلًا إلى كونه خللًا يُفسد العلاقات أكثر مما يُصلحها. في الاجتماع الإنساني لا تُبنى المودّة على فيضٍ دائم من طرف واحد، ولا تستقيم الروابط إذا اعتاد أحدهم البذل، واعتاد الآخر الأخذ حتى غاب عنه الإحساس بالقيمة والمعنى.
العطاء الزائد لا يُنشئ الوفاء، بل يُربّي الاعتياد، والاعتياد أقسى أعداء الامتنان؛ إذ يُحوّل الجميل إلى واجب، والاهتمام إلى حقّ مكتسب، وحين يتباطأ العطاء أو يتوقّف لحظة، لا يُسأل عن سببه، بل يُدان صاحبه بتهمة الجفاء والتغيّر. وهكذا تُظلم النيّات الطيبة، لا لأنها قصّرت، بل لأنها أفرطت.
كم من علاقة انكسرت لا لغياب المحبة، بل لغياب الحكمة. حين اختلّ الميزان، صار البذل استنزافًا صامتًا، وصارت الطيبة عبئًا على صاحبها، وصار الصبر طريقًا طويلًا إلى الجحود. فالعلاقات السليمة لا تُقاس بكمِّ ما يُعطى، بل بعدالة ما يُتبادَل؛ حضور يقابله حضور، واهتمام يوازيه تقدير، وتضحية لا تُلغِي صاحبها ولا تُنقص من قدره.
إن الإفراط في العطاء يُفرغ القيم من معناها، ويُضعف الإحساس بالمسؤولية لدى المتلقي، ويُميت الشعور بالحدود، حتى تتحول الفضيلة إلى عادة، والعادة إلى توقع، والتوقع إلى مطالبة لا تعرف الشكر. وما كان في أصله خيرًا، يعود على صاحبه بالخذلان، لا لأن الخير خادع، بل لأن سوء استخدامه أفسده.
ولذلك لم تكن الحكمة يومًا في الكثرة، بل في الاعتدال؛ فالعطاء الذي يُحافظ على كرامة صاحبه هو وحده القادر على أن يُحافظ على العلاقة. أما ذاك الذي يُهدر الذات، ويُلغِي المسافة، ويُقدَّم بلا حساب، فلا يترك وراءه إلا فراغًا باردًا، ولا يحصد إلا صمتًا جاحدًا.
العطاء الحقّ هو ذاك الذي يمنح دون أن يُهين، ويقوّي دون أن يُنهك، ويُعطي دون أن يُفني صاحبه. فليس التوقّف قسوة، ولا الاعتدال أنانية، بل هما في كثير من الأحيان أصدق صور الحكمة، وأعدل أشكال الرحمة.














