بقلم : ياسمين جمال
(باحثة دكتوراة الاعلام التربوي ـ جامعة عين شمس )
مع اقتراب شهر رمضان، لا يقتصر الاستعداد على شراء الزينة أو ترتيب مائدة الإفطار، بل يمتد ليشمل تهيئة نفسية وثقافية ومعرفية داخل الأسرة، خاصة عندما يكون في البيت طفل أو مراهق يتشكل وعيه يومًا بعد يوم.
فشهر رمضان ليس مجرد طقس ديني عابر، وإنما موسم تربوي متكامل، تتداخل فيه القيم الروحية مع الرسائل الإعلامية، ويتقاطع فيه السلوك اليومي مع ما يتلقاه الأبناء عبر الشاشات.
من هنا يصبح الاستعداد لرمضان مسؤولية مشتركة بين الأسرة والإعلام، لأن الطفل لا يعيش الشهر فقط داخل البيت، بل يعيش نصفه الآخر عبر المنصات الرقمية، والإعلانات، والدراما، ومقاطع الفيديو القصيرة التي قد تحمل رسائل متناقضة مع روح الشهر.
وهنا تظهر أهمية الوعي الإعلامي لدى الوالدين، فكما نحرص على تنظيف المنزل قبل رمضان، ينبغي أن نعيد ترتيب “البيئة الإعلامية” داخل البيت، فنختار ما يُعرض، ونناقش ما يُشاهد، ونحوّل المشاهدة من فعل سلبي إلى مساحة للحوار.
فرمضان فرصة ذهبية لتعزيز ثقافة المشاركة لدى الأطفال، ليس فقط في تحضير الطعام أو توزيع الصدقات، ولكن أيضًا في صناعة المحتوى الإيجابي. يمكن للأسرة أن تشجع أبناءها على إنتاج فيديوهات بسيطة تعبر عن معنى الصيام أو قيمة الامتنان، أو حتى توثيق لحظات إنسانية داخل الأسرة. هنا يتحول الطفل من مستهلك للإعلام إلى فاعل فيه، ومن متلقٍ سلبي إلى مشارك واعٍ، وهو ما يعزز ثقته بنفسه ويطور حسه النقدي.
كذلك من جهة أخرى، يمثل شهر رمضان فرصة لإعادة صياغة علاقة الطفل بالوقت، ففي ظل الزحام الرقمي الذي نعيشه، أصبح من الضروري تعليم الأبناء مهارة تنظيم اليوم بين العبادة، والدراسة، والترفيه، واستخدام المنصات الإلكترونية بشكل متوازن. وهذا لا يتحقق بالأوامر المباشرة، وإنما بالقدوة، فحين يرى الطفل والديه يخصصان وقتًا للقراءة أو للحديث الأسري بعيدًا عن الهاتف، يتعلم عمليًا معنى الأولويات.
ومن زاوية ثقافة الطفل، فإن رمضان يحمل مخزونًا ثريًا من القصص والقيم التي يمكن تقديمها بطريقة جذابة تناسب كل مرحلة عمرية. فبدلاً من الاكتفاء بالوعظ، يمكن توظيف الحكاية، والدراما الهادفة، والبرامج القصيرة التي تزرع قيمة الصدق أو الصبر أو التعاطف. وهنا يأتي دور الإعلام المسؤول الذي يدرك أن الطفل في رمضان ليس مجرد جمهور، بل مشروع إنسان يتشكل وجدانه عبر كل مشهد وصورة وكلمة.
حيث إن الاستعداد الحقيقي لشهر رمضان يبدأ من إدراكنا أن أبناءنا لا يصومون فقط عن الطعام، بل يتعلمون كيف يصومون عن الإساءة، وعن التسرع، وعن الانجراف وراء كل ما يعرض أمامهم. ولذلك فإن بناء وعي إعلامي داخل الأسرة هو جزء لا يتجزأ من بناء وعي ديني وأخلاقي. وعندما نجح في تحويل رمضان إلى مساحة للحوار، والتفكير، والمشاركة، نكون قد قدمنا لأطفالنا ما هو أبقى من زينة وفوانيس، قدمنا لهم معنى.
لذا، يظل رمضان موسمًا لصناعة الوعي قبل أن يكون موسمًا للاستهلاك. وإذا أحسنا استثماره تربويًا وإعلاميًا، فإننا لا نُعد أبناءنا لشهر واحد فقط، بل نُعدهم لحياة كاملة قائمة على الفهم، والنقد، والمسؤولية.














