بقلم : احمد رفاعي آدم (كاتب وروائي)
من أهم حاجات الإنسان في هذه الحياة حاجته لتقدير ذاته لدرجة أنه على استعداد لأن يفعل أي شيء في سبيل شعوره بأنه “ذو قيمة”. يسافر الإنسان ويتغرب ويبذل قصارى جهده ليدخر ما يشعره بأنه ذو قيمة. يذاكر الطالب ويسهر الليل وينكب على كتبه الساعات الطوال ليحقق النجاح الذي يشعره بأنه ذو قيمة.
تكافح الأم من أول النهار لآخر الليل دون أن تشتكي لتقود بيتها وتحقق سعادة أسرتها ولا يعوضها شيء كإحساسها بأنها ذات قيمة. حتى المفسدين لا يفسدون إلا لعجزهم عن تحقيق ذاتهم فيعوضون ذلك بالأساليب الملتوية التي تمنحهم -ولو زوراً- الإحساس بأن لهم قيمة. وهكذا على طول الخط، قد لا نجاوز الحق إذا قلنا أن معظم سلوكيات الإنسان نابعة من رغبته القوية في الشعور بأنه ذو قيمة وأهمية وأنه يستحق التقدير.
مما سبق يتأكد لنا مدى أهمية مراعاة الحالة النفسية لأبنائنا وبناتنا أثناء تربيتنا لهم. إنهم ولا شك يحتاجون مثلنا لأن يشعروا بأنهم ذوو قيمة ولهم قدرهم من الاحترام والتقدير ولهم حظهم من الشعور بحريتهم وحقهم في إقرار رغباتهم واختياراتهم. لا أقول أن نترك لهم الحبل على الغارب وهم لم يبلغوا بعد طور الشباب الرزين المتزن، ولكن منحهم بعض التقدير وإعطاءهم مساحة جيدة من المسئولية وحسن التصرف كفيل بتنشئتهم التنشئة السوية القادرة على حمايتهم من الضياع والتشتت في هذا الزمن المليء بالتحديات.
هل تساءلت يوماً عن سبب عناد ابنك أو بنتك بغض النظر عن مرحلتهم العمرية؟ الأسباب كثيرة، لكن يبقى أحد أبرزها رغبةُ الطفل الجامحة في إثبات ذاته وشعوره بأن له قيمة وشخصية مستقلة. سواءً أدركنا ذلك أو لم ندرك، معظم الأطفال يعاندون لأجل أن يوصلوا لنا رسالةً مفادها أنهم أيضاً أصحاب قرار مثلنا تماماً. فهلَّا منحناهم الفرصة لذلك؟ اعلموا أن للطفل شخصيته المستقلة التي يسعى دائماً لإثباتها فراجعوا ذلك جيداً.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أسوة حسنة. فقد كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مواقف ملهمة مع الأطفال تبرز عنايته صلوات ربي وتسليماته عليه بهم ومراعاته لمشاعرهم وتقديره لشخصيّاتهم. ومن هذه المواقف ما رواه سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: ( أُتِيَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقدح فشرِب، وعن يمينه غلام هو أحدث (أصغر) القوم، والأشياخ عن يساره، قال: يا غلام أتأذن لي أن أُعْطِيَ الأشياخ؟، فقال: ما كنتُ لأُوثِرَ بنصيبي منك أحداً يا رسول الله، فأعطاه إيَّاه ) رواه البخاري .
هذا الغلام هو عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ، وفي تصرفه دليل على فطنته، وقد أصبح حبر الأمة بعد ذلك، وكذلك فيه دلالة على عِلمه ـ رضي الله عنه ـ رغم صغره ببركة وفضل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ صغاراً وكباراً يرون هذه البركة بأعينهم، فما كان لهذا الغلام أن يتنازل عن حقه في بركة النبي، ورأينا كيف أقره النبي على ذلك ولم ينهره أو يحجر على رأيه، بل أعطاه القدح ليشرب قبل الكبار الذين في المجلس لإنه كان يجلس عن يمينه.
قصةٌ أخرى ذكرها الماوردي في كتاب (أدب الدنيا والدين) عما وقع من عبد الله بن الزبير -وكان غلاماً صغيراً- مع سيدنا عمر بن الخطاب وكان أمير المؤمنين، فقال: “حكى ابن قتيبة أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مر بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير فهربوا منه إلا عبد الله. فقال له عمر -رضي الله عنه-: ما لك؟ لم لا تهرب مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لم أكن على ريبة فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقا فأوسع لك. فانظر ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنة وحسن البديهة. كيف نفى عنه اللوم، وأثبت له الحجة فليس للذكاء غاية، ولا لجودة القريحة نهاية.” وهذه القصة تبين لنا كيف كان كبار الصحابة ينظرون إلى الأطفال النجباء، بل ويعجبهم منهم حسن التصرف وجودة اللباقة وقوة الشخصية، وجميعها خصال تصنع رجل المستقبل الشجاع الواثق من نفسه ومن إمكانياته.
هكذا إذن … من حق أبنائنا أن نقدر ذاتهم ونراعي احساسهم بقيمتهم. وفي الختام أنصح نفسي كأب ومعلم وأنصحكم فأقول: لا تكسروا أبناءكم واصبروا عليهم وخذوهم بالرفق والمصاحبة وكونوا لهم خير معين أمام تحديات نموهم، امنحوهم الثقة والاحترام وحسن النصح والتوجيه وأشعروهم بأن “لهم قيمة عظيمة” ليكبروا ويردوا لكم الجميل ويكونوا لكم خير سندٍ على نوائب الدهر. فكما تدين تدان.














