»» الرسالة ناقشت مركزية الإنسان في الأخلاق الإفريقية: دراسة مقارنة بين الواجب “الكانطي والأوبونتو الإفريقي”
»» الرسالة توصي بـ :
• دمج المفاهيم الإفريقية في النقاشات الفلسفية والأكاديمية العالمية المتعلقة بالأخلاق
• إعادة النظر في البرامج التعليمية.. وإدماج الفكر الإفريقي كمكون معرفي أساسي في المؤسسات الأكاديمية
• دعم الحوار بين الثقافات الأخلاقية المختلفة، بما يفتح أفقًا لتجاوز النزعة الإقصائية
في رحاب كلية الآداب جامعة القاهرة وبعد مناقشات علمية مستفيضة ورصينة استمرت لعدة ساعات قررت لجنة الحكم والمناقشة بتاريخ 4 يونيو 2026 منح الباحثة دعاء عبدالنبي حامد درجة الدكتوراه في الآداب تخصص فلسفة إفريقية حديثة ومعاصرة ، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة، مع الإشادة بجهود الباحثة وتميز موضوع الدراسة.

تكونت لجنتا الإشراف والحكم والمناقشة من:
ـ الدكتور أحمد عبدالحليم عطية أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة كلية الآداب جامعة القاهرة “مشرفا”.
ـ الدكتور مجدي عبد الحافظ أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة كلية الآداب جامعة العاصمة (حلوان سابقاً).”عضوا ومناقشا ” .
ـ الدكتور على محمد عليان الخطيب أستاذ ورئيس قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة المنيا. “عضوا ومناقشا “.
شهد المناقشة لفيف من الأساتذة والباحثين وعدد من أهل وأقارب وأصدقاء الباحثة.
ملخص الدراسة
تُشكل الأخلاق أحد أعمدة البنية الحضارية للإنسان منذ فجر التاريخ، إذ تُعبّر عن منظومة من القيم والمبادئ التي تحدد معايير السلوك البشري، وتوجه الأفراد والمجتمعات نحو ما يُعدّ صوابًا أو خاطئًا، محمودًا أو مذمومًا، خيرًا أو شرًا في جميع نواحي الحياة. وقد أدرك الإنسان منذ أقدم العصور ضرورة وجود ضوابط تنظم العلاقات الاجتماعية وتؤسس لحياة قائمة على التفاهم، التعاون، والاحترام المتبادل، مما جعل الأخلاق، بصورها المتعددة، حاضرة في كل الحضارات والثقافات، سواء أكانت شفوية أم مكتوبة، دينية أم وضعية، تقليدية أم حديثة.
وتُعد الأخلاق من أبرز المباحث الفلسفية والإنسانية التي شكّلت محور اهتمام المفكرين والفلاسفة والمصلحين منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا. فالأخلاق ليست مجرد منظومة من القواعد السلوكية التي تنظم علاقات الأفراد داخل المجتمع، بل تمثّل بُعدًا جوهريًا في تكوين الوعي الإنساني، وفي بناء النُّظم الاجتماعية والسياسية والثقافية. لقد تبلورت المفاهيم الأخلاقية عبر العصور في سياقات تاريخية وثقافية متباينة، الأمر الذي أضفى عليها طابعًا ديناميكيًا يعكس التنوع الإنساني، ويُظهر كيف أن كل حضارة أو مجتمع ينحتُ لنفسه إطارًا أخلاقيًا يتماشى مع قيمه ومعتقداته ورؤيته للعالم. فلم تقتصر الأخلاق على مجتمعات دون أخرى، أو فئات دون غيرها. الأخلاق ضرورة وجودية يشترك فيها جميع البشر أياً كان معتقداتهم أو انتمائهم.
لقد ساد الفكر الغربي نزعة عنصرية ونظرة استعلائية للأعراق غير الأوروبية لا سيما العرق الإفريقي الزنجي متهمين إياه بالدونية العقلية والأخلاقية مقارنة بغيره من الشعوب الأوربية. فقد روج العديد من الفلاسفة فكرة الدونية البيولوجية والأخلاقية للشعوب الإفريقية دون النظر بعمق في الثقافة الإفريقية وما تحتويه من قيم أخلاقية تعلي من شأن الإنسانية دون التمييز بين الأعراق.
أدت تحيزات الفلاسفة الغربيين مثل هيوم وكانط وهيجل وغيرهم إلى إنزال الإفريقي، وخاصة الأسود، إلى مستوى الكائن غير العقلاني وغير الأخلاقي، حيث جادل هيوم بأن الرجل الأسود يفتقر إلى القدرة العقلية والاختراع والحضارة والإبداع، وبالتالي فهو أدنى من العرق الأبيض. كما أن الأفكار المشوهة عن الأفارقة من قبل كانط كانت ملحوظاً جداً في خطابه عن الأعراق. أيضاً استبعد هيجل الأفارقة من حركة التاريخ، موضحاً أن القارة ليس لديها وعي إنساني أو “حركة أو تطور يمكن عرضه بالإضافة إلى انكار الحس الأخلاقي لديهم.
إن الغالب على الفكر الأخلاقي العالمي، خاصة في السياقات الأكاديمية، هو التركيز على الأخلاق الغربية الفلسفية منها والدينية، في حين حظيت الأخلاق غير الغربية، وخصوصًا الإفريقية، باهتمام أقل، أو عولجت في إطار دوني، ناتج عن بقايا الاستعمار وخطاب التفوق الأوروبي. غير أن العقود الأخيرة شهدت نهوضًا فكريًا متزايدًا يعيد الاعتبار للثقافات الأخلاقية الإفريقية، من خلال إبراز خصوصياتها، وتجذّرها في السياق المجتمعي المحلي، وأصالتها كمصدر من مصادر الفلسفة العملية.

إن الفكر الأخلاقي المميز لإفريقيا جنوب الصحراء كما تم تفسيره فلسفياً يؤكد أن تحقيق الذات يتم من خلال الأشخاص الآخرين، أي من خلال المجتمع وحده، وفقاً لمنظري الأخلاق الأفارقة؛ أن الاحترام الشامل الوحيد الذي يمكن للمرء أن يعيش فيه أسلوب حياة إنساني حقيقي هو من خلال التواصل أو الانسجام مع الآخرين، “الشخص هو شخص من خلال أشخاص آخرين”، “فأنا إنسان لأنني أنتمي” وليس كما قال ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”، التناغم الاجتماعي بالنسبة لإفريقيا هو الخير الأعظم. فالفعل الأخلاقي في التصور الإفريقي لا يُقاس بمدى توافقه مع مبدأ عقلي مجرد، بل بقدر ما يسهم في تعزيز الانسجام المجتمعي وتحقيق الرفاهية الجماعية. ومن هنا، فإن الأخلاق الإفريقية تستمد مشروعيتها من فلسفة “أوبونتو” (Ubuntu) التي تؤكد أن “الإنسان إنسان بفضل الآخرين”.
ومن هذا المنطلق تناقش الدراسة إشكالية مركزية الإنسان في الأخلاق الإفريقية المتمثلة في الأوبونتو مقارنة بالواجب الكانطي.
وهي دراسة ذات أهمية قصوى من الناحية النظرية حيث تركز على بعض المفاهيم الإفريقية المهمة مثل أوبونتو، الشخصية الأخلاقية، الطائفية، الواجب الأخلاقي، كرامة وحقوق الإنسان، الأخلاق العالمية، الذاتية والموضوعية في الأخلاق الإفريقية. كما أنها تفتح آفاقاً جديدة أمام البحث الفلسفي حول أهم قضايا فلسفة الأخلاق الإفريقية الحديثة والمعاصرة مقارنة بنظريات الأخلاق الغربية وبصفة خاصة الواجب الكانطي ثم التطرق للمقارنة بين الأخلاق الإفريقية والنفعية والأخلاق الهيجلية لتعميق النقاش حول الفكر الأخلاقي في الثقافات المختلفة.
يحاول السؤال الرئيسي في الدراسة الإجابة عن إلى أي مدى قدمت فلسفة الأخلاق الإفريقية نسقا أخلاقيا جماعيا واقعيا عملياً لا يقل أهمية عن النسق الأخلاقي الفردي المثالي الغربي؟ بالإضافة إلى ذلك تحاول الدراسة تقديم إجابات على الأسئلة التالية:
– بماذا اتسمت فلسفة الأخلاق الإفريقية؟ هل هي ذات طابع فردي أم ذات طابع جماعي؟
– وما أهم نظريات الفلسفة الإفريقية حول مفهوم الشخصية وما يرتبط بها من مفاهيم؟
– هل الأخلاق الإفريقية ذات مركزية كونية أم مركزية بشرية أم أنها نظرية توافقية تجمع بين الإنسان والطبيعة؟
– وإلى أي مدى تختلف الأخلاق الإفريقية عن الأخلاق الغربية؟
– وما هو أوجه النقد الفلسفي الذي قدمته الفلسفة الإفريقية للأخلاق الغربية؟
إن هذه التساؤلات تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة قراءة الأخلاق الإفريقية ضمن منظومة الفكر الأخلاقي العالمي، ليس بوصفها نقيضاً للأخلاق الغربية، بل كمقاربة بديلة تُعيد تعريف القيم الأخلاقية من منظور إنساني تشاركي، يوازن بين الفرد والجماعة، والعقل والعاطفة والواجب والصالح العام.
انطلقت الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الأخلاق ليست نسقًا واحدًا ذا طبيعة كونية ثابتة، بل هي منظومات متعددة ومتنوعة تتشكّل وفقًا للسياقات الثقافية، والتجارب التاريخية، والبنى الاجتماعية التي ينتمي إليها الأفراد. ومن هنا، جاءت الأخلاق الإفريقية بوصفها مثالًا حيويًا لمنظومة أخلاقية تختلف في بنيتها ومرجعياتها عن النموذج الغربي، إذ تركز على البعد الجماعي، وعلى ترابط الأفراد في كيان اجتماعي واحد، يرى في الفرد جزءًا من الكل، لا كيانًا مستقلًا بذاته.
تناولت الدراسة الأخلاق الإفريقية بوصفها نظامًا فلسفيًا مستقلًا، يتجاوز النماذج الغربية التقليدية التي تتمركز حول الفردانية والعقلانية المطلقة، وتستعرض كيف أن الأخلاق الإفريقية تؤكد على مركزية الجماعة، والمسؤولية المتبادلة، والعلاقة التفاعلية بين الفرد والمجتمع. وتعد الدراسة نقداً لمركزية الأنا الغربية، التي بُنيت على النزعة الذاتية والاستقلالية الفردية، مما أدى إلى إقصاء أنماط التفكير الأخرى، بما في ذلك الفلسفات الإفريقية التي ترتكز على التضامن والانتماء الجماعي. تسعى الدراسة إلى تفكيك هذا التحيز المركزي، مقاربةً بين الفكر الأخلاقي الإفريقي ومقولات الفلسفة الغربية، بغرض إعادة النظر في مفاهيم الأخلاق وفتح آفاق جديدة لفهم العلاقة بين الإنسان والمجتمع في إطار عالمي متعدد الأبعاد.
أيضاً تتناول الدراسة قضية الاختلاف بين الجماعية الإفريقية والذاتية الغربية، من خلال تفكيك البنى الفلسفية التي تأسست عليها منظومة القيم في كلا السياقين. فبينما ترتكز الأخلاق الغربية على مركزية “الأنا” بوصفها ذاتًا عاقلة، حرة، محايدة، تبلورت الأخلاق الإفريقية على أساس جماعي تفاعلي يتجسد في مفاهيم مثل “أوبونتو” (Ubuntu) التي ترى الإنسان ككائن لا يكتمل وجوده إلا بالآخرين. وتجادل الدراسة بأن المنظومة الأخلاقية الإفريقية لا تمثل فقط بديلًا أنطولوجيًا وأخلاقيًا، بل تشكّل مقاومة فكرية لما أنتجته الحداثة الغربية من انقسامات أخلاقية واستعمارية.
وتبرز الدراسة كيف تعيد الأخلاق الإفريقية الاعتبار إلى مفهوم “الإنسان في العلاقة”، في مواجهة الذات المنعزلة التي روّجت لها الفلسفة الغربية. وتستند الدراسة إلى مقاربة تحليلية مقارنة إفريقية، وتضعها في حوار نقدي مع أخلاقيات كانط وغيره من منظّري الأخلاق الغربية.
تعود أهمية الدارسة بشكل أولى إلى حداثة موضوع البحث في الفلسفة الإفريقية؛ أيضاً ترجع أهمية الدراسة نظراً لسعيها إلى إلقاء الضوء على أهم النظريات الأخلاقية الفلسفية الإفريقية ذات المركزية البشرية والتي تعنى بالإنسان الفرد داخل مجتمعة الصغير (الأسرة) ومجتمعة الكبير (المجتمع)، في جوانب متعددة كالدين والسياسة والبيئة. كما ترجع أهميتها لكونها تلقي الضوء على أهم أعلام الفلسفة الإفريقية الحديثة والمعاصرة من خلال مناقشة آراءهم الأخلاقية المتمركزة حول الإنسان والبيئة والمجتمع.
كما تعود أهمية الدراسة كونها تسلط الضوء على الخصائص العامة للأخلاق بوصفها مبحثًا إنسانيًا مشتركًا، ثم يتناول الأخلاق الإفريقية في خصوصيتها الثقافية والاجتماعية والفلسفية، ساعيًا إلى إبراز تفرّدها وعمقها، وموقعها ضمن الخريطة العالمية للأنساق الأخلاقية.
تبرز أهمية دراسة الأخلاق الإفريقية ليس فقط من أجل استكشاف نسق قيمي مختلف عن النموذج الفردي الغربي، بل كذلك من أجل تفكيك الصورة النمطية التي رُوِّجت عن إفريقيا كمجال “خارج” عن العقلانية الأخلاقية. فهذه الدراسة تمثل محاولة للمساهمة في تجديد النظر في مفهوم الأخلاق من خلال مقاربة متعددة الثقافات، تعترف بتعدد المصادر الإنسانية في بناء المعايير الأخلاقية، وتدعو إلى الاعتراف بالفكر الإفريقي كجزء لا يتجزأ من التراث الفلسفي والإنساني العالمي.
ومن جانب أخر تسعى هذه الدراسة إلى إعادة فتح النقاش حول موقع الأخلاق الإفريقية في المشهد الفلسفي المقارن، عبر إبراز أوجه التقاطع والاختلاف بينها وبين الأخلاق الغربية.
هدفت الدراسة إلى تقديم قراءة شاملة ومعمقة للأخلاق الإفريقية، من خلال تحليل أصولها، تجلياتها، مرجعياتها، ووظائفها داخل المجتمع. كما تسعى إلى مقارنتها بالتصورات الأخلاقية العامة في الفلسفة، من أجل إبراز عناصر التشابه والاختلاف، وتقييم مدى قدرتها على تقديم بدائل أو مكملات للنماذج الأخلاقية السائدة. ومن خلال دراسة الأخلاق الإفريقية، يمكن فهم المبادئ والقيم التي استمدتها المجتمعات الإفريقية من تقاليدها الدينية والروحانية. يُساعد هذا الفهم على تقدير كيف تؤثر المعتقدات الروحية والطقوس الدينية على تشكيل السلوكيات الأخلاقية للأفراد والمجتمعات، مما يسهم في الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيزه.
كما تُسهم دراسة الأخلاق الإفريقية في تعزيز الحوار الثقافي العالمي من خلال تقديم نموذج أخلاقي مختلف عن النموذج الغربي السائد. هذا يُمكّن المجتمعات من تعلم كيفية دمج القيم الجماعية مع القيم الفردية لتحقيق التوازن بين احتياجات الفرد والمجتمع. بالإضافة إلى ذلك، يساعد هذا الفهم في بناء جسور التفاهم والاحترام المتبادل بين الثقافات المختلفة. كما تُضيف الفلسفة الإفريقية بُعدًا جديدًا للنقاشات الأخلاقية العالمية، ما يتيح فرصة لإعادة التفكير في المبادئ الأخلاقية التقليدية.
لقد كشفت الدراسة أن أوبونتو ليست مجرد مصطلح ثقافي محلي، بل هي منظومة أخلاقية وفلسفية متكاملة، تؤسس لأسلوب حياة قوامه الاحترام، التضامن، الرحمة، المسؤولية المشتركة، والتكافل بين أفراد المجتمع. إنها تعبير عن رؤية ترى في الإنسان كائنًا لا يُعرّف بحدوده الذاتية فقط، بل من خلال علاقاته مع الآخرين، في نوع من “الذاتية الجماعية” التي تُعيد صياغة مفاهيم الكرامة، الحرية، والعدالة. وتتسم هذه الفلسفة الأخلاقية بقدرتها على الجمع بين البعد الروحي والمادي، بين الالتزام الذاتي والانتماء الجماعي، مما يمنحها قوة عملية في ميدان السلوك الفردي والاجتماعي، ويجعل منها إطارًا مرجعيًا يمكن الاستفادة منه في بناء مجتمعات قائمة على التعايش السلمي، والعدالة الاجتماعية، والاحترام المتبادل. كما أن تجليات أوبونتو في الخطاب السياسي، القضائي، والتربوي في عدد من الدول الإفريقية (مثل جنوب إفريقيا ورواندا) بعد مراحل من الصراع والعنف، أثبتت قدرتها على المساهمة في عمليات المصالحة، وإعادة بناء الهوية الجماعية.
كما أظهرت الدراسة الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في مركزية الفكر الأخلاقي الغربي، وفتح المجال أمام مقاربات متعددة الثقافات، تعترف بأن للإنسانية أكثر من صوت، وأن لكل حضارة مساهمتها الخاصة في تشكيل الضمير الإنساني. ولا يمكن لأي خطاب أخلاقي أن يدعي الشمولية من دون إدماج الأصوات القادمة من الجنوب العالمي، وعلى رأسها إفريقيا. وفي خضم البحث عن النماذج الأخلاقية البديلة التي يمكن أن تسهم في تجديد الخطاب القيمي المعاصر، برزت فلسفة أوبونتو الإفريقية كأحد أكثر التصورات الأخلاقية ثراءً وعمقًا، إذ تمثل جوهر النظرة الإفريقية للعلاقات الإنسانية، وتجسد تصورًا متكاملًا للأخلاق يتجاوز التصنيفات الغربية التقليدية التي تفصل بين الفرد والمجتمع، أو بين العقل والعاطفة، أو بين النظرية والتطبيق.
والخلاصة؛ تُعتبر دراسة الأخلاق الإفريقية أمرًا حيويًا لفهم الأبعاد الثقافية والفلسفية والروحية التي تؤثر على حياة المجتمعات الإفريقية. هذه الدراسة لا تُسهم فقط في تعزيز الفهم العالمي للتنوع الأخلاقي، بل تساعد أيضًا في تطوير حلول إنسانية وعملية لمواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية والبيئية في العالم المعاصر من جانب، ومن جانب أخر تساهم الدراسة في دحض الأفكار العنصرية التي روجت لها المركزية الغربية من جانب أخر، فالأفارقة كغيرهم من شعوب الأرض لهم ثقافتهم ونسقهم القيمي الخاص بهم.
انقسمت الدراسة إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة. يدور الفصل الأول حول فلسفة الأخلاق الأفريقية ويتناول مفهوم أخلاق الأوبونتو، ثم البعد الأنطولوجي للأخلاق الأفريقية، ثم مصادر الإلزام الخلقي في الأخلاق الإفريقية. ويدور الفصل الثاني حول النظرية الأخلاقية الإفريقية (أخلاق أوبونتو) ويتناول مفهوم الشخصية كمكانة أخلاقية، ثم فكرة الواجب بين الأخلاق الكانطية والأخلاق الإفريقية، ثم أهم نظريات الفعل الصحيح الإفريقية. ويتناول الفصل الثالث: تطبيقات الأوبونتو في الفكر السياسي الإفريقي من خلال طرح رؤية كوامي نكروما ثم طرح رؤية يوليوس نيريري للإشتراكية الإفريقية، ثم التطرق لفكرة الأوبونتو وعلاقتها بالقانون في إفريقيا. ويتناول الفصل الرابع عدة قضايا أخلاقية مثل الكرامة وحقوق الإنسان، والتحيز والحياد، ثم فكرة الأخلاق العالمية. وأخيراً الفصل الخامس والذي يتناول المقارنة بين الأخلاق الغربية والأوبونتو الإفريقي، ثم النقد الموجه لهما. ثم خاتمة الدراسة.
انتهت الدراسة بطرح عدة توصيات أهمها:
• بتشجيع البحث الأكاديمي في الفلسفة الإفريقية، وتحديدًا في حقل الأخلاق، من خلال توسيع الدراسات الميدانية وتحليل النماذج المجتمعية من الداخل، بعيدًا عن التحيّزات الاستشراقية.
• دمج المفاهيم الإفريقية في النقاشات الفلسفية والأكاديمية العالمية المتعلقة بالأخلاق، كمدخل لتأسيس حوار أخلاقي بين الثقافات، يقوم على الاحترام المتبادل.
• إعادة النظر في البرامج التعليمية والتي يغيب عنها البُعد الإفريقي في تدريس الفلسفة والأخلاق، والعمل على إدماج الفكر الإفريقي كمكون معرفي أساسي في المؤسسات الأكاديمية.
• البحث في إمكانية توظيف بعض المبادئ الأخلاقية الإفريقية، مثل “أوبونتو”، في تطوير سياسات اجتماعية وتنموية قائمة على التضامن، والعدالة، والمسؤولية الجماعية.
• السعي لتطبيق “الأوبونتو” في مجالات الحياة المختلفة من التعليم إلى العدالة، ومن السياسة إلى الاقتصاد مع تطوير أدوات نظرية لفهمها بعيدًا عن النزعة الفولكلورية أو البدائية، باعتبارها فلسفة أخلاقية جديرة بأن تُدرَس وتُفعّل في مشروع بناء إنساني جديد، يقوم على التضامن والتكامل بدلًا من التنافس والتفكك.
• كما توصي الدراسة بضرورة تعزيز البحث في الأخلاق الإفريقية من خلال مقاربات عابرة للتخصصات (فلسفية، أنثروبولوجية، سوسيولوجية)، وتشجيع الحوار بين الثقافات الأخلاقية المختلفة، بما يفتح أفقًا لتجاوز النزعة الإقصائية، ويُسهم في بناء أخلاق عالمية قوامها التعددية، الكرامة الإنسانية، والاحترام المتبادل.
إن استحضار أخلاق “أوبونتو” في النقاشات الفلسفية والأخلاقية المعاصرة لا يعني فقط إعادة الاعتبار للفكر الإفريقي المهمّش تاريخيًا، بل يعني أيضًا الإسهام في إغناء الفكر الإنساني العالمي من خلال تبنّي رؤى بديلة قادرة على ترميم ما فشل الفكر الحديث في المحافظة عليه: المعنى، الانتماء، والكرامة المشتركة.
وفي النهاية، تبقى هذه الدراسة محاولة أولية للاقتراب من نسق أخلاقي غني ومعقد، يحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل من داخل الثقافة الإفريقية نفسها، ومن خلال الانفتاح على أدوات تحليل جديدة، تسعى إلى فهم الإنسان في تعدده واختلافه، لا اختزاله في نموذج واحد. فالأخلاق، في جوهرها، ليست ملكًا لمجتمع أو ثقافة أو حضارة، بل هي تعبير عن المشترك الإنساني، وعن الحلم الدائم ببناء عالم أكثر عدلًا وإنصافًا وكرامة.
يذكر أن الباحثة (دعاء عبدالنبي حامد)،قد حصلت على درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة، تخصص فلسفة إفريقية حديثة ومعاصرة عن موضوع “الهوية الزنجية ونقد العقل الزنجي دراسة مقارنة بين الشيخ أنتا ديوب وأشيل مبيمبي” بتقدير عام امتياز في 22/12/2022.












