»» التدريب بوصفه حدثًا للحضور.. وتحولًا للتغيير
بقلم: د. حنان سالم (دكتوراة الآداب في الفلسفة المعاصرة ـ كلية الآداب ـ جامعة العريش)
في عالم تتكاثر فيه البرامج التدريبية، وتتسابق فيه الشهادات، وتتسع فيه سوق المعرفة، وتتزاحم إعلانات التدريب على منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد السؤال: كم دورة حصلت عليها؟ وكم شهادة تملك؟
بل أصبح السؤال الجوهري: ماذا أضاف التدريب إلى معرفتك؟ ماذا غير في أدائك؟ كم أثرًا تركه فيك ومن حولك؟ وما القيم التي خرجت بها من التجربة؟
فبعض الدورات نخرج منها وكأننا اكتسبنا سنوات من الخبرة، وبعضها نخرج وكأننا فقدنا ساعات من وقتنا.
فما الذي يصنع هذا الفارق؟
ثمة برامج تمتد لساعات طويلة، ومع ذلك نتمنى ألا تنتهي؛
وبرامج أخرى قد تكون مادتها العلمية قوية، لكن الوقت فيها يمر أثقل من المحتوى.
فالمدرب الذي يعرف كيف يحول المعرفة إلى متعة، والمعلومة إلى حوار، والقاعة إلى مساحة للتفكير والمشاركة، فهو يجعل التجربة ثمرة تلتقط. لأن المعرفة وحدها لا تكفي إذا غابت مهارة تقديمها.
وهنا تبدأ فلسفة التدريب.
فالتدريب الحقيقي ليس ورقة تُعلق على الحائط، ولا شهادة تُحفظ في ملف، وإنما معرفة تتحول إلى سلوك، ومهارة تتحول إلى أداء، وخبرة تتحول إلى قيمة.
فالشهادة قد تقول إننا حضرنا.. أما الأثر فيقول إننا تغيرنا.
والمعرفة قد تملأ العقول، أما الأثر فيعيد تشكيل بناء الإنسان، فبين امتلاك المعرفة والقدرة على نقلها، وبين نقلها والقدرة على تحويلها إلى ممارسة، مسافة كبيرة؛ لا يقطعها الحفظ وحده، ولا تختزلها الشهادة، وإنما تصنعها المهارة، والممارسة، والوعي، والتفاعل، والقدرة على صناعة الأثر.
فالتدريب فن ومهارة، حركة وتفاعل؛ مهارة تبسيط المعلومة، وفن إدارة الحوار والتواصل مع الآخر، وحركة باشعال الحماس داخل القاعة، وإشراك المتدربين، واحترام عقولهم قبل احترام مواعيد الحضور والانصراف.
كما أنه هو رسالة أخلاقية وإنسانية؛ لا وظيفة تقتصر على نقل المعرفة والحفظ، وإنما تفتح مساحات للتواصل والتفاعل، وتغرس قيم للتعامل والأداء (كالمحبة والتفاني في العمل، والتعاون، والتسامح الفكري، واحترام الاختلاف، والانتماء إلى روح الفريق).
فمن السهل أن نتدرب، لكن ليس من السهل أن نتغير .
ومن الجميل أن نحضر باجسادنا ، لكن الأجمل أن نحضر بأرواحنا وعقولنا.
فالمدرب قد يمتلك مادة علمية غزيرة، لكنه يعجز عن إيصالها؛ فينتهي البرنامج وتنتهي معه التجربة دون جدوي.
بينما قد يمتلك مدرب آخر فكرة بسيطة، لكنه يستطيع أن يحولها إلى تجربة لا تُنسى.
وهنا يظهر الفرق بين من يملأ الساعات التدريبية إلقاءً وتلقينا، ومن يصنع تجربة تدريبية حقيقية. يبني بها جسورا للتواصل وأثرا للمستقبل.
فالتدريب علم في محتواه، وفن في تقديمه، ورسالة في أثره.
والمدرب صاحب الرسالة لا يملأ القاعة بالمعلومات فقط ، بل يقرأ عقول المتدربين، ويفهم لغة الجسد، ويلتقط اختلافاتهم، ويعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يسأل، ومتى يترك للمتدرب مساحة ليكتشف بنفسه.
لذلك فالتدريب فن في اختيار الكلمة، وفن في إدارة التفاعل، وفن في بناء الثقة، وفن في تحويل المتدرب من متلق إلى شريك في صناعة المعرفة.
ونجاح البرنامج التدريبي لا يُقاس بعدد الساعات، ولا بعدد الحاضرين، ولا بعدد الشهادات.
إنما يُقاس بقدرة المدرب على كسب انتباه الحضور، وقدرة المحتوى على جذب العقول، وقدرة التدريب على نقل المعرفة بمهارة، وتحويلها إلى ممارسة، وصناعة أثر قابل للاستمرار.
فالمسافة بين:
«أنا أعرف» و «أنا أستطيع»
هي المسافة التي تصنع الفارق بين امتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها.
ففي التدريب لا تكفي قيمة ما يعرف المدرب؛ بل ماذا يستطيع أن يترك في الآخرين، ماذا يمكن أن يفعل في المتعلمين؟
هنا تحديدًا يتحول التدريب من نشاط تعليمي إلى فعل تغييري. والمدرب من ملقن إلى مؤثر.
فالمعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة تظل حبيسة الذاكرة.
والتدريب الذي ينتهي بانتهاء القاعة قد يكون مجرد تجربة عابرة.
والشهادة التي لا يرافقها تغيير في الأداء ليست أكثر من وثيقة تثبت الحضور، لا التحول.
تجربة تتجاوز الشهادة
من هذا المنطلق جاءت التجربة التدريبية التي نظمتها مؤسسة د. مها عجلان الخيرية، المشهرة برقم ٨٣٣ بوزارة التضامن الاجتماعي بالإسماعيلية، خلال الفترة من 28 أغسطس إلى 3 سبتمبر، ومن 9 سبتمبر إلى نهاية الشهر، بوصفها فلسفة حية قدمت نموذجا مختلفا للتدريب، وتفوقت علي التوقعات.
قدمت حزمة تدريبية تميزت بتنوع موضوعاتها، وجودة محتواها، وكفاءة كوادرها التدريبية، ودقة تنظيمها، وانضباط إدارة برامجها.
لكن الأهم من كل ذلك كان الأثر الذي ظهر منذ الدقائق الأولى، واستمر بعد انتهاء البرامج.
فقد تنوعت البرامج بين إعداد كوادر مدربة لبرنامج TOT، والذكاء الاصطناعي، والتنمية البشرية، والتنمية الذاتية، والتنمية المهنية، والإعلامي الصغير، والمهارات الحياتية، والتعافي بالحب.. وغيرها.
كما تميزت بتفوق المدربين في إحداث أثر وتغيير في سلوك المتدربين كانوا علي أتم الاستعداد والتميز الملحوظ داخل وخارج القاعة منذ أول أيام التدريب بدءًا بالدكتور عاشور عمري والدكتور إسلام السعيد والدكتورة نهلة جمال وجميعهم أساتذة في جامعة عين شمس ، فضلا عن المذيعة المحترفة دكتورة مها عجلان، ومحترف الذكاء الاصطناعي الدكتور مينا ماهر.
وهنا لم تكن التجربة مجرد مجموعة من البرامج المتنوعة، ولا تعدد في أسماء المدربين، وإنما كانت تجربة متكاملة في مسارات بناء الإنسان؛ مابين المعرفة، والمهارة، والوعي، والتواصل، والتنمية الشخصية والمهنية، واستعادة الثقة، وتعزيز التواصل، وصناعة الأمل، وإحداث التغيير.
وقد امتد الأثر إلى العلاقة بين المتدربين أنفسهم؛ فنشأت بينهم روح التعاون والتواصل، وتكونت صداقات بدأت داخل قاعة التدريب، وتجاوزت حدود القاعة، واستمرت في صورة من المودة والتواصل والمحبة الصادقة.
وهذه واحدة من أجمل المفارقات التي يصنعها التعلم المشترك:
أن يدخل الإنسان القاعة باحثًا عن المعرفة، ثم يخرج منها وقد اكتسب إلى جانب المعرفة رفقةً وتجربةً وذكرياتٍ وعلاقاتٍ إنسانية.
فحين يدرك المتدرب أن النجاح لا يصنعه الفرد وحده.
وحين يتعلم أن اختلاف الرأي لا يعني إلغاء صاحبه.
وحين يكتشف أن لديه قدرة على التعلم والتجربة والتطور.
وحين لا ينتظر دائمًا من يوجهه، وإنما يبدأ في تحويل ماتعلمه إلى فعل.
وحين يتحول ما تعلمه إلى التزام تجاه نفسه وعمله ومجتمعه.
وحين يدرك أن الشهادة ليست نهاية التعلم، وإنما بداية لمسار جديد، وقدرة جديدة، ومستقبل جديد. وأمل جديد.
هنا تصبح القيمة الحقيقية للتدريب أعمق من المحتوى ذاته.
ويصبح المدرب رسول للقيم.
ويصبح التعلم إضافة لعقل الإنسان، واعادة لتشكيل ذاته وإمكاناته ومستقبله.
وحينها يصبح التدريب فعلًا لبناء الإنسان، ورسالة إنسانية صادقة للتعلم والتواصل .
والأجمل من كل ذلك أن الأثر لم يكن معرفيا فقط. بل كان قيميًا
فقد ظهر في روح المتعلم، ومشاركته الحقيقية، وتواصله مع الآخر، وكسر حاجز الجليد بين المشاركين، وبناء الثقة، واستعادة الأمل والتفاؤل، ومقاومة الإحباط واليأس.
لأن التدريب الناجح لا يكتسب منه الإنسان معلومات ومهارات فقط، وإنما يخرج منه بمجموعة من القيم والسلوكيات التي قد لا تظهر في شهادة، لكنها تظهر في الأداء.
وهذه ليست نتائج هامشية بل أساسية؛ تمس الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر في المجتمع.
والتدريب الحقيقي لا يصنع متدربًا أكثر معرفة فقط، بل يصنع إنسانًا أكثر قدرة على الفعل.
وربما تكون أجمل شهادة يمكن أن يحملها المتدرب ليست تلك التي تحمل ختمًا وتوقيعًا، وإنما تلك التي يمكن أن يراها الآخرون في سلوكه، وأدائه، وعلاقاته، وثقته بنفسه، وقدرته على العطاء.
فهذا هو التدريب الذي لا ينتهي بانتهاء القاعة.
وهذا هو التدريب الذي يصنع أثرًا.














